واقع الزراعة الصحراوية وتحديات الأمن الغذائي في ليبيا
فرع بنغازي

تُصنف ليبيا ضمن الدول الواقعة في حزام الجفاف العالمي، حيث يسود المناخ الصحراوي الجاف على معظم أراضيها، مع انخفاض شديد في معدلات هطول الأمطار وشح في الموارد المائية المتجددة. هذا الواقع الجغرافي القاسي جعل من الزراعة نشاطاً استثنائياً يتطلب تدخلات تقنية وهندسية كبيرة، ويواجه تحديات بنيوية متراكمة. ومع ذلك، فإن الأهمية الاستراتيجية للقطاع الزراعي في ليبيا لا تقل عن أهمية النفط، ذلك أن الأمن الغذائي بات يشكل هاجساً وجودياً للدولة، في ظل اعتمادها المفرط على الاستيراد لتلبية احتياجات السكان من الغذاء.

تشير التقديرات إلى أن ليبيا تعتمد على النفط في نحو 97% من إيراداتها العامة، مما أدى إلى إهمال القطاعات الإنتاجية الأخرى، وفي مقدمتها الزراعة. وقد ترتب على هذا الإهمال تآكل في القدرات الإنتاجية المحلية، واتساع الفجوة الغذائية، وارتفاع مؤشرات التبعية الغذائية. ففي السنوات الأخيرة، باتت ليبيا تستورد نحو 60% إلى 75% من احتياجاتها من المحاصيل الزراعية الأساسية، وهو ما يعرض أمنها الغذائي لصدمات خارجية متكررة، من تقلبات أسعار السلع العالمية إلى تعطل سلاسل الإمداد.

في هذا السياق، تبرز الزراعة الصحراوية كخيار استراتيجي لا مناص منه، بالنظر إلى أن مساحات شاسعة من الأراضي الصحراوية في الجنوب الليبي تتوفر فيها مياه جوفية أحفورية، وإشعاع شمسي غزير، وإمكانيات لإنتاج محاصيل استراتيجية كالقمح والشعير. وقد شهدت العقود الماضية محاولات متعددة لتطوير زراعة صحراوية تعتمد على تقنيات الري الحديثة، كان أبرزها مشروع "الدبوات الزراعي" الذي يعتمد نظام الدوائر الزراعية. غير أن هذه المحاولات ظلت محدودة النطاق، ولم ترق إلى مستوى الطموحات المنشودة، بسبب جملة من التحديات الهيكلية والاقتصادية والمؤسسية.

تهدف هذه الدراسة إلى تقديم قراءة تحليلية لواقع الزراعة الصحراوية في ليبيا، واستكشاف التحديات التي تعترض مسارها، مع ربط ذلك بأزمة الأمن الغذائي المتفاقمة. وتنطلق الدراسة من إشكالية مركزية: كيف يمكن للزراعة الصحراوية أن تسهم في تعزيز الأمن الغذائي في ليبيا، في ظل محدودية الموارد المائية وضعف الكفاءة المؤسسية والاقتصادية؟ وللإجابة عن هذه الإشكالية، تعتمد الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، بالاستناد إلى الأدبيات المتاحة والتقارير الوطنية والدولية ذات الصلة.

ثانياً: واقع الزراعة الصحراوية في ليبيا

2.1 الإطار الجغرافي والمناخي

تقع ليبيا في شمال إفريقيا، وتمتد على مساحة تبلغ نحو 1.67 مليون كيلومتر مربع، تجعلها رابع أكبر دولة في القارة الإفريقية. غير أن هذه المساحة الشاسعة لا تعكس وفرة في الأراضي القابلة للزراعة؛ إذ لا تتجاوز الأراضي الصالحة للزراعة نحو 2% من إجمالي المساحة، وتتركز معظمها في الشريط الساحلي الشمالي المطل على البحر المتوسط، حيث المناخ المتوسطي المعتدل نسبياً. أما بقية الأراضي، وخاصة في الجنوب والجنوب الغربي، فهي صحراوية قاحلة أو شبه قاحلة، تتسم بارتفاع درجات الحرارة، وانعدام الأمطار المنتظمة، وندرة الغطاء النباتي الطبيعي.

رغم هذه القسوة المناخية، فإن المناطق الصحراوية في ليبيا، وخاصة إقليم فزان، تمتلك مخزوناً هائلاً من المياه الجوفية الأحفورية (غير المتجددة)، التي تشكل نحو 90% من إجمالي المياه المتاحة في البلاد. وقد شكّل هذا المخزون الجوفي الأساس المادي لانطلاق مشاريع الزراعة الصحراوية، التي تعتمد على استخراج هذه المياه وري المحاصيل عبر أنظمة الري المحوري الحديثة.

2.2 أنماط الزراعة الصحراوية: الدوائر الزراعية نموذجاً

تُعد "الدوائر الزراعية" أبرز تطبيقات الزراعة الصحراوية الحديثة في ليبيا، وأكثرها انتشاراً في المشهد الزراعي الجنوبي. وتعتمد هذه التقنية على حفر آبار عميقة لاستخراج المياه الجوفية، ثم توزيعها عبر نظام ري محوري طويل الذراع يدور حول مركز الحفرة، ليروي مساحة دائرية من الأرض تتراوح أقطارها بين عدة مئات من الأمتار إلى أكثر من كيلومتر. وتظهر هذه الدوائر من الجو كأنماط هندسية خضراء دقيقة وسط بحر الرمال، وهو مشهد بات مألوفاً في مناطق الجنوب الليبي.

ويمثل مشروع الدبوات الزراعي في منطقة وادي الشاطئ (جنوب غرب ليبيا) النموذج الأبرز لهذه التقنية. يغطي المشروع حالياً مساحة تُقدر بنحو 4900 هكتار، موزعة على 12 دائرة زراعية، تُخصص لزراعة القمح والشعير والبرسيم الحيواني. وتستهدف الخطط المستقبلية رفع عدد الدوائر إلى 500 دائرة مع حلول نهاية العام الجاري، وصولاً إلى ألف دائرة ضمن رؤية ليبيا 2030. ويهدف المشروع، بحسب القائمين عليه، إلى تحريك عجلة الاقتصاد عبر خلق فرص عمل، وتعزيز الأمن الغذائي، وتنشيط قطاعات النقل والتخزين والتوزيع المرتبطة به.

إلى جانب مشروع الدبوات، توجد دوائر زراعية أخرى في مناطق متفرقة من الجنوب، مثل وادي الحياة والكفرة، وإن كانت بأحجام وقدرات إنتاجية متفاوتة. وتشير التقديرات إلى وجود أكثر من 100 دائرة زراعية قيد التنفيذ أو التخطيط في الجنوب الغربي وحدها. غير أن هذه المشاريع، رغم طموحاتها، تواجه تحديات كبيرة تعيق تحقيق أهدافها المنشودة، كما سيتبين في الأقسام التالية.

2.3 الإنتاج الحيواني في البيئات الصحراوية

لا تقتصر الزراعة الصحراوية في ليبيا على الإنتاج النباتي، بل تمتد لتشمل الإنتاج الحيواني، وخاصة تربية الأغنام والإبل والأبقار، التي تشكل جزءاً مهماً من النشاط الزراعي في المناطق الصحراوية. وتتميز هذه الثروة الحيوانية بقدرتها على التكيف مع الظروف البيئية القاسية، وتعتمد في تغذيتها على المراعي الطبيعية والبرسيم الحيواني المنتج محلياً. وقد أظهرت بعض المؤشرات وجود مستويات عالية نسبياً من الاكتفاء الذاتي في بعض المنتجات الحيوانية، حيث بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي من اللحوم نحو 76.7%.

غير أن هذا القطاع يعاني أيضاً من تحديات مشابهة، أبرزها تدهور الغطاء النباتي والمراعي الطبيعية بسبب الجفاف والتصحر، والاستخدام المفرط للموارد الرعوية، إضافة إلى ضعف البنى التحتية للتسويق والتخزين، وغياب الدعم الفني والبيطري الكافي.

ثالثاً: التحديات البنيوية التي تواجه الزراعة الصحراوية

3.1 ندرة الموارد المائية واستنزاف المخزون الجوفي

يمثل شح المياه التحدي الأكبر الذي تواجهه الزراعة الصحراوية في ليبيا، بل يمكن القول إنه التحدي الوجودي للقطاع الزراعي بأسره. فليبيا تُصنف من أفقر دول العالم في الموارد المائية المتجددة، وتقع ضمن حزام الجفاف العالمي. وتعتمد بشكل رئيسي على المياه الجوفية غير المتجددة (الأحفورية)، التي تشكل نحو 90% من إجمالي المياه المتاحة، وتستحوذ الزراعة وحدها على أكثر من 82% من إجمالي الاستهلاك المائي.

المشكلة الأكثر خطورة هي أن هذا الاعتماد المفرط على المياه الجوفية غير المتجددة يتم بكفاءة استخدام متدنية جداً، إذ لا تتجاوز كفاءة الري في المزارع الليبية مستويات متواضعة، بسبب اعتماد معظم المزارعين على طرق الري التقليدية (الغمر) بدلاً من تقنيات الري الحديثة كالري بالتنقيط أو الري المحوري المتطور. وقد خلصت دراسة تحليلية إلى أن الاستراتيجيات الزراعية المطبقة بين عامي 1980 و2020ركزت بشكل أساسي على التوسع الكمي، مما أدى إلى استنزاف غير مسبوق للمياه الجوفية، وقصر العمر الافتراضي لهذا المورد الثمين. وبعبارة أخرى، حقق هذا النهج أمناً غذائياً لحظياً على حساب الأمن المائي للأجيال القادمة.

ويزداد الوضع تعقيداً في ظل غياب سياسة واستراتيجية مائية واضحة لحماية الموارد المائية المتاحة في ليبيا، وضعف الأداء المؤسسي داخل جهاز النهر الصناعي، حيث توجد علاقة سلبية بين غياب الشفافية الإدارية وكفاءة الأداء العام.

3.2 ضعف كفاءة الإنفاق العام وسوء تخصيص الدعم

تكشف التحليلات الاقتصادية عن خلل هيكلي كبير في سياسات الإنفاق العام ذات الصلة بالقطاع الزراعي. فقد كشفت دراسة حديثة أن جزءاً ضخماً من الميزانية يذهب نحو الدعم غير الموجه للوقود والسلع المستوردة (إنفاق جاري)، بدلاً من توجيهه نحو الاستثمار الرأسمالي في تقنيات الري الحديثة، والحصاد المائي، ومحطات التحلية. وهذا التوجه في الإنفاق يعيق التحول نحو زراعة مستدامة ومقاومة للمناخ.

إن سوء التخصيص المالي هذا يعني أن المزارعين الليبيين، وخاصة في المناطق الصحراوية، يفتقرون إلى الحوافز المالية الكافية للتحول إلى تقنيات زراعية أكثر كفاءة، ويظلون معتمدين على أساليب الإنتاج التقليدية التي تستهلك كميات هائلة من المياه والطاقة، وتنتج غلات أقل مقارنة بالإمكانات المتاحة.

3.3 محدودية الأراضي الصالحة للزراعة وتدهورها

كما أشرنا سابقاً، لا تتجاوز الأراضي الصالحة للزراعة في ليبيا 2% من إجمالي المساحة. وهذه النسبة الضئيلة تتعرض بدورها لتهديدات مستمرة، أبرزها التصحر وزحف الرمال، الذي دقت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) ناقوس الخطر بشأنه، محذرة من اتساع رقعة التصحر في ليبيا وما يترتب عليه من تداعيات على الأمن الغذائي.

إضافة إلى ذلك، تعاني التربة الزراعية في المناطق الصحراوية من ملوحة متزايدة، نتيجة لتبخر المياه الجوفية المالحة وتراكم الأملاح في الطبقات السطحية للتربة. وهذا يجعل الزراعة في هذه المناطق عملية مضطردة الصعوبة، تتطلب معالجات كيميائية وهندسية مكلفة.

3.4 الإهمال المؤسسي وضعف الدعم الفني

يعاني القطاع الزراعي في ليبيا من إهمال مؤسسي متراكم، يعود جذوره إلى عقود من التركيز على الاقتصاد الريعي النفطي على حساب القطاعات الإنتاجية. ويتجلى هذا الإهمال في غياب مشاريع زراعية فعّالة يمكنها تقليل الاعتماد على الواردات الأجنبية، وضعف البنى التحتية الزراعية من طرق ومخازن ومصانع تدوير، وغياب بنوك لحفظ البذور الأصلية، وعدم استخدام التقنيات الحديثة في الزراعة مقارنة ببعض الدول العربية والأجنبية.

كما يعاني المزارعون في المناطق الصحراوية من غياب الدعم الفني والإرشادي، وندرة البرامج التدريبية التي تمكنهم من مواكبة التطورات التكنولوجية في مجالات الري والزراعة المحمية وإدارة المحاصيل. وهذا الوضع يجعل الزراعة الصحراوية في ليبيا نشاطاً هشاً، يعتمد بشكل كبير على الجهود الفردية للمزارعين، دون غطاء مؤسسي أو دعم حكومي كافٍ.

رابعاً: أزمة الأمن الغذائي في ليبيا: الأبعاد والمؤشرات

4.1 مفهوم الأمن الغذائي في السياق الليبي

يُعرَّف الأمن الغذائي، وفق منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، بأنه "توافر الغذاء للمستهلكين واستقراره وإمكانية الحصول عليه واستخدامه بشكل كافٍ وآمن ومغذٍ". وفي السياق الليبي، يكتسب هذا المفهوم أبعاداً خاصة، ترتبط بخصوصية النموذج الاقتصادي الريعي، وطبيعة التحديات البيئية والمناخية التي تواجهها البلاد.

تواجه ليبيا تحديات كبيرة في تحقيق السيادة الغذائية، نتيجة اعتمادها الكبير على الاستيراد مقارنة بالإنتاج المحلي المحدود. وترتبط أزمة الأمن الغذائي في ليبيا ارتباطاً وثيقاً بالأمن المائي، حيث أن نقص المياه واستغلالها بشكل مكثف يؤثر سلباً على النشاط الزراعي، مسبباً نقصاً في الغذاء.

4.2 الفجوة الغذائية ومؤشرات التبعية

تكشف التحليلات الإحصائية عن وجود فجوة غذائية متنامية في ليبيا، ودرجة عالية من الهشاشة البنيوية في النظام الغذائي. وتشير مؤشرات الاعتماد على الاستيراد (FDI) إلى اعتماد شبه كلي على المصادر الخارجية لتأمين السلع الأساسية، مثل القمح والذرة والبقوليات.

فعلى سبيل المثال، تشير التوقعات إلى أن الفجوة في محصول القمح قد تصل إلى حوالي 2946.97 ألف طن بحلول عام 2027، مما يستدعي اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة هذا التفاوت. وهذا يعني أن ليبيا ستظل، في المدى المنظور، رهينة لتقلبات الأسواق العالمية وأسعار الغذاء، وهو ما يجعل أمنها الغذائي عرضة للصدمات الخارجية.

وتتنوع أسباب هذه الفجوة الغذائية، لتشمل، إضافة إلى ما تقدم، تغيرات المناخ كعامل أساسي أدى إلى انخفاض الإنتاج الغذائي في البلاد، والأحداث المأساوية مثل انهيار سد درنة، والتداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا والحرب الأوكرانية الروسية.

4.3 مفارقة الإنتاج المحلي: قدرات غير مستغلة

رغم الصورة القاتمة للأمن الغذائي في ليبيا، تشير بعض المؤشرات إلى وجود قدرات إنتاجية محلية غير مستغلة بالكامل. فقد أظهرت دراسة تحليلية أن بعض المنتجات الزراعية والحيوانية تحقق مستويات عالية من الاكتفاء الذاتي، حيث بلغت نسبة الاكتفاء من التمور 99.9%، ومن البيض 90.8%، ومن اللحوم 76.7%.

وهذه الأرقام تشير إلى أن القطاع الزراعي الليبي، رغم كل التحديات، يمتلك إمكانات حقيقية يمكن تطويرها، خاصة في مجالات الإنتاج الحيواني والزراعات الصحراوية البديلة. غير أن هذه الإمكانات تظل معطلة بسبب غياب السياسات الداعمة، وضعف البنى التحتية، وشح التمويل والاستثمار.

4.4 تداعيات أزمة الأمن الغذائي على الاستقرار الاجتماعي

لا تقتصر تداعيات أزمة الأمن الغذائي في ليبيا على الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى الأبعاد الاجتماعية والسياسية. فالاعتماد المفرط على استيراد الغذاء يجعل البلاد عرضة لموجات الغلاء والتضخم، التي تثقل كاهل المواطنين، خاصة الفئات المحدودة الدخل. وقد يؤدي تدهور الأمن الغذائي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، وزيادة معدلات الفقر والهجرة، وإضعاف ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.

وقد خلصت إحدى الدراسات إلى أن أزمة الأمن الغذائي في ليبيا هي نتاج اختلالات هيكلية وليست نقصاً في الموارد. وهذا يعني أن الحل لا يكمن في ضخ مزيد من الأموال لاستيراد الغذاء، بل في إعادة هيكلة السياسات الاقتصادية والزراعية، والاستثمار الجاد في تنمية القدرات الإنتاجية المحلية.

خامساً: استراتيجيات مقترحة لتعزيز الزراعة الصحراوية والأمن الغذائي

5.1 التحول نحو الزراعة الذكية مناخياً

في ظل التغيرات المناخية المتسارعة، وشح الموارد المائية، بات التحول نحو الزراعة الذكية مناخياً ضرورة حتمية. وتقوم هذه المقاربة على ثلاثة محاور رئيسية: أولاً، زيادة الإنتاجية الزراعية بشكل مستدام؛ ثانياً، تعزيز قدرة النظم الزراعية على التكيف مع التغيرات المناخية؛ ثالثاً، خفض انبعاثات الغازات الدفيئة قدر الإمكان.

وفي السياق الليبي، يعني هذا التوجه تبني تقنيات الري الحديثة (كالري بالتنقيط والري المحوري المتطور) التي ترفع كفاءة استخدام المياه، واستخدام أنظمة الزراعة المحمية (البيوت البلاستيكية) التي تحمي المحاصيل من التطرفات المناخية، وتطبيق نظم الزراعة التكاملية التي تجمع بين الإنتاج النباتي والحيواني لتحقيق أقصى استفادة من الموارد المتاحة.

5.2 إعادة هيكلة السياسات المائية وإدارة الموارد الجوفية

يتطلب تعزيز الزراعة الصحراوية في ليبيا إعادة نظر جذرية في سياسات إدارة الموارد المائية. وتشمل الأولويات في هذا الإطار:

وضع استراتيجية وطنية واضحة للمياه، تحدد الأولويات وتوزع الموارد بكفاءة بين القطاعات المختلفة، مع إعطاء الأولوية للزراعات ذات القيمة المضافة العالية والأقل استهلاكاً للمياه.

- إعادة تسعير المياه والوقود، بحيث تعكس التكلفة الحقيقية للموارد، وتشجع المزارعين على ترشيد الاستهلاك.

توجيه الدعم المالي نحو المزارعين المتبنين لتقنيات الري الذكية، بدلاً من الدعم غير الموجه الذي يشجع الإسراف.

الاستثمار في الموارد المائية المتجددة، مثل تحلية مياه البحر، لضمان المرونة المناخية وتقليل الاعتماد على المخزون الجوفي غير المتجدد.

5.3 الاستثمار في البنى التحتية وسلاسل القيمة

لا يمكن للزراعة الصحراوية أن تؤدي دورها في تعزيز الأمن الغذائي دون توفر بنى تحتية متكاملة تدعم سلاسل القيمة الزراعية. وتشمل هذه البنى:

- شبكات طرق ونقل تربط المناطق الصحراوية المنتجة بالأسواق الاستهلاكية في المدن الساحلية.

- مراكز تخزين وتبريد تحافظ على جودة المنتجات الزراعية وتحد من الفاقد.

مصانع لتصنيع وتسويق المنتجات الزراعية، لتضيف قيمة مضافة وتخلق فرص عمل.

- بنوك لحفظ البذور الأصلية، لحماية التنوع البيولوجي وتوفير بذور مقاومة للجفاف والملوحة.

5.4 تعزيز التعاون الإقليمي في مجال الأمن الغذائي

يمكن للتعاون الإقليمي مع الدول العربية والإفريقية أن يشكل رافعة مهمة لتعزيز الأمن الغذائي في ليبيا. فالدول العربية المجاورة، مثل مصر وتونس، تمتلك خبرات متراكمة في مجالات الزراعة الصحراوية وإدارة الموارد المائية، ويمكن تبادل هذه الخبرات عبر برامج التدريب ونقل التكنولوجيا. كما يمكن للتعاون في مجال التجارة الزراعية أن يسهم في تنويع مصادر الاستيراد وتقليل الاعتماد على أسواق بعيدة.

5.5 دعم البحث العلمي والابتكار الزراعي

يظل البحث العلمي والابتكار التكنولوجي الركيزة الأساسية لأي نهضة زراعية مستدامة. وتحتاج ليبيا إلى:

إنشاء مراكز بحثية متخصصة في الزراعة الصحراوية، تعمل على تطوير أصناف محاصيل مقاومة للجفاف والملوحة، وتحسين تقنيات الري، ودراسة تأثيرات التغير المناخي على الإنتاج الزراعي.

ربط الجامعات ومراكز البحوث بالقطاع الزراعي، عبر برامج تطبيقية تنقل المعرفة من المختبرات إلى الحقول.

تشجيع الابتكار في مجال الطاقة المتجددة، لاستخدامها في تشغيل مضخات المياه وأنظمة الري، مما يقلل الاعتماد على الوقود المستورد ويخفض تكاليف الإنتاج.

سادساً: الخاتمة

تقف الزراعة الصحراوية في ليبيا عند مفترق طرق حاسم. فهي من جهة، تمثل الخيار الاستراتيجي الوحيد لتوسيع الرقعة الزراعية وتقليل الاعتماد على الاستيراد، في ظل محدودية الأراضي الصالحة للزراعة في الشريط الساحلي. ومن جهة أخرى، تواجه تحديات بنيوية هائلة، تتصدرها ندرة الموارد المائية غير المتجددة واستنزافها بمعدلات غير مستدامة، وضعف كفاءة الإنفاق العام وسوء تخصيص الدعم، والإهمال المؤسسي المتراكم، وتداعيات التغير المناخي المتمثلة في التصحر وزيادة حدة الجفاف.

وتكشف هذه الدراسة عن حقيقة أساسية، وهي أن أزمة الأمن الغذائي في ليبيا ليست أزمة نقص في الموارد بقدر ما هي أزمة إدارة وسياسات. فالبلاد تمتلك مخزوناً هائلاً من المياه الجوفية، ومساحات شاسعة من الأراضي الصحراوية القابلة للاستغلال، وإشعاعاً شمسياً غزيراً يمكن توظيفه في تشغيل أنظمة الري، وخبرات بشرية قابلة للتطوير. غير أن هذه الإمكانات تظل معطلة بسبب غياب الرؤية الاستراتيجية، وضعف الكفاءة المؤسسية، واستمرار النهج الريعي في توزيع الدعم والإنفاق.

إن تحقيق تحول حقيقي في واقع الزراعة الصحراوية والأمن الغذائي في ليبيا يتطلب تبني حزمة متكاملة من الإصلاحات، تبدأ بإعادة هيكلة السياسات المائية والزراعية، وتمر بتوجيه الاستثمارات نحو البنى التحتية وتقنيات الري الحديثة، وتنتهي بدعم البحث العلمي والابتكار، وتعزيز التعاون الإقليمي. وهذا التحول ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو ضرورة وجودية لضمان استقرار ليبيا الاجتماعي والسياسي في العقود القادمة.

وفي الختام، يمكن القول إن مستقبل الزراعة الصحراوية في ليبيا مرهون بقدرة الدولة والمجتمع على تجاوز منطق الريعة والاعتماد على النفط، نحو منطق الإنتاج والابتكار والاستدامة. فالزراعة الصحراوية، رغم قسوة بيئتها، تحمل في طياتها فرصة تاريخية لتنويع الاقتصاد الليبي، وتعزيز أمنه الغذائي، وخلق فرص عمل، وتثبيت السكان في مناطق الجنوب. غير أن اغتنام هذه الفرصة يتطلب إرادة سياسية، واستثمارات جادة، وتعاوناً وطنياً شاملاً، يضع الأمن الغذائي في صدارة أولويات الدولة.



المراجع:

الشريف، إسماعيل أبوبكر. (2024). "الأبعاد الاقتصادية لمشكلة الأمن الغذائي وأثره على السكان في ليبيا". مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة بنغازي. DOI: 10.37376/ajhas.vi2.6851

كريد، عبدالفتاح جمعة. (2024). "الزراعة الذكية خيار استراتيجي لتحقيق التنمية المستدامة في ليبيا". مجلة المعرفة، العدد (44)، ص 3-2

المقالات الأخيرة