العلاقات السودانية الإثيوبية بين التصعيد الأمني وخيارات الاحتواء الدبلوماسي
فرع القاهرة

تمثل العلاقات السودانية الإثيوبية إحدى أكثر العلاقات تعقيدًا وحساسية في منطقة القرن الأفريقي، نظرًا لما يجمع البلدين من روابط جغرافية وتاريخية واقتصادية وأمنية متشابكة، وما يحيط بهذه العلاقات من ملفات خلافية ممتدة تتعلق بالحدود، وقضايا الأمن الإقليمي، وملف سد النهضة، والتوازنات السياسية داخل الإقليم. وخلال العقود الماضية، شهدت العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا مراحل متباينة تراوحت بين التعاون والشراكة من جهة، والتوتر والصدام السياسي من جهة أخرى، إلا أن التطورات التي شهدها شهر مايو 2026 دفعت هذه العلاقات إلى مستوى جديد من التأزم، عقب الاتهامات السودانية لإثيوبيا بالتورط في هجمات بطائرات مسيرة استهدفت مواقع استراتيجية داخل السودان.

وتأتي هذه الأزمة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للسودان الذي يواجه تحديات داخلية معقدة نتيجة استمرار الصراع المسلح وتدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، الأمر الذي يفرض ضغوطًا إضافية على صانع القرار السوداني في التعامل مع أي تهديدات خارجية محتملة. وفي المقابل، تنظر إثيوبيا إلى التطورات الجارية من زاوية أمنها القومي وحساباتها الإقليمية المرتبطة بالتوازنات في القرن الأفريقي وحوض النيل.

ومن هذا المنطلق، يسعى هذا التقرير إلى تحليل أبعاد الأزمة الراهنة بين السودان وإثيوبيا، واستكشاف محددات التصعيد والتوتر، وتقييم موازين القوى بين الطرفين، فضلًا عن دراسة فرص التهدئة والاحتواء الدبلوماسي، واستشراف السيناريوهات المحتملة لمستقبل العلاقات الثنائية في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة.

أزمة المسيرات وتغير قواعد الاشتباك

أحدثت الاتهامات السودانية المتعلقة باستخدام الطائرات المسيرة انطلاقًا من الأراضي الإثيوبية تحولًا مهمًا في طبيعة الخلافات بين البلدين. فبينما اعتادت العلاقات السودانية الإثيوبية خلال السنوات الماضية على التوترات المرتبطة بالنزاعات الحدودية في منطقة الفشقة أو الخلافات السياسية حول القضايا الإقليمية، فإن الانتقال إلى اتهامات تمس السيادة الوطنية بصورة مباشرة يمثل تطورًا نوعيًا يرفع مستوى المخاطر الأمنية بين الجانبين.

وتكمن خطورة هذه الأزمة في أنها تتجاوز النزاعات التقليدية المتعلقة بالحدود أو المصالح الاقتصادية لتصل إلى استهداف منشآت استراتيجية ومراكز حيوية داخل الدولة. فمثل هذه الاتهامات تحمل أبعادًا سياسية وأمنية كبيرة، إذ تنقل الصراع من مرحلة الخلاف السياسي إلى مرحلة التشكيك المباشر في النوايا الأمنية للطرف الآخر.

كما تعكس الأزمة طبيعة التحولات التي تشهدها الحروب الحديثة، حيث أصبحت الطائرات المسيرة والتقنيات العسكرية المتطورة أدوات رئيسية في إدارة الصراعات الإقليمية. وقد أدى انتشار هذه الوسائل إلى تقليص الفوارق الجغرافية وإتاحة إمكانية تنفيذ عمليات دقيقة دون الحاجة إلى تحركات عسكرية واسعة النطاق، الأمر الذي يزيد من صعوبة احتواء الأزمات ويجعل احتمالات التصعيد أكثر تعقيدًا.

وعلى الرغم من خطورة الاتهامات المتبادلة، فإن غياب الأدلة المعلنة بشكل قاطع أمام المجتمع الدولي يجعل الأزمة مفتوحة على احتمالات متعددة، تتراوح بين التصعيد السياسي المستمر أو الانتقال إلى مسارات تحقيق دولية وإقليمية تهدف إلى تحديد المسؤوليات ومنع تفاقم التوتر.

تبادل الاتهامات وتعقيدات المشهد السياسي

أظهرت الأزمة الحالية حجم التدهور الذي أصاب قنوات التواصل السياسي بين الخرطوم وأديس أبابا خلال السنوات الأخيرة. فقد اتجه كل طرف إلى تحميل الطرف الآخر مسؤولية التوتر القائم، في ظل تصاعد الخطاب الإعلامي والسياسي وتراجع فرص الحوار المباشر.

فمن الجانب السوداني، تم تصوير الهجمات المزعومة باعتبارها اعتداءً على السيادة الوطنية يستوجب اتخاذ موقف حازم، مع التأكيد على حق السودان في الدفاع عن أمنه ومصالحه الاستراتيجية وفقًا للقانون الدولي. وفي المقابل، نفت إثيوبيا الاتهامات بصورة قاطعة، ووجهت اتهامات مضادة للجيش السوداني بدعم مجموعات معارضة تسعى إلى زعزعة الاستقرار داخل الأراضي الإثيوبية.

وتعكس هذه المواقف المتشددة حالة انعدام الثقة المتراكمة بين البلدين، والتي تغذت على سنوات من الخلافات المرتبطة بالحدود وسد النهضة والتنافس على النفوذ الإقليمي. كما تشير إلى أن الأزمة الراهنة لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق السياسي الأوسع الذي يحكم العلاقات الثنائية.

وفي هذا الإطار، يبرز عامل الأزمات الداخلية بوصفه أحد المؤثرات الرئيسية في سلوك الطرفين فالسودان يواجه تحديات أمنية وسياسية غير مسبوقة، بينما تتعامل إثيوبيا مع ضغوط داخلية وإقليمية متشابكة. لذلك يصبح توظيف الخطاب القومي والتصعيد الخارجي أحيانًا وسيلة لتعزيز التماسك الداخلي أو صرف الانتباه عن الأزمات المحلية، وهو نمط شهدته العديد من الدول خلال فترات الاضطراب السياسي.

ومن ثم، فإن الأزمة الحالية لا تعبر فقط عن خلاف ثنائي، بل تعكس أيضًا تداخل الحسابات الداخلية مع التوازنات الإقليمية، بما يجعل عملية احتوائها أكثر تعقيدًا من مجرد تسوية دبلوماسية تقليدية.

اختلال التوازنات ومخاطر المواجهة

رغم حدة الخطاب السياسي المتبادل، فإن المعطيات العسكرية والاستراتيجية تشير إلى وجود قيود كبيرة تحد من احتمالات اندلاع مواجهة شاملة بين السودان وإثيوبيا فالسودان يواجه منذ سنوات تحديات أمنية داخلية واسعة النطاق استنزفت جزءًا كبيرًا من موارده العسكرية والاقتصادية، الأمر الذي يقلل من قدرته على فتح جبهة خارجية جديدة.

كما أن الطبيعة الجغرافية للحدود السودانية الإثيوبية تمنح إثيوبيا مزايا دفاعية مهمة، خاصة في المناطق الجبلية المرتفعة التي تشكل عائقًا أمام أي عمليات عسكرية واسعة النطاق. ويضاف إلى ذلك أن إثيوبيا تمتلك كثافة سكانية كبيرة وقوات عسكرية ذات خبرة طويلة في إدارة النزاعات الإقليمية، وهو ما يجعل أي مواجهة مباشرة مكلفة للطرفين.

وتزداد المخاطر في حال انتقال الأزمة من المجال السياسي إلى المجال العسكري، إذ قد يؤدي ذلك إلى تهديد البنية التحتية الحيوية والمشروعات الاقتصادية الكبرى، فضلًا عن التأثير على الأمن الغذائي والمائي في البلدين. كما أن أي تصعيد عسكري قد ينعكس بصورة مباشرة على أمن البحر الأحمر وحوض النيل والقرن الأفريقي بأكمله.

ومن ناحية أخرى، لا يمكن تجاهل دور القوى الإقليمية والدولية في توجيه مسار الأزمة فالتنافس على النفوذ في منطقة القرن الأفريقي يجعل من الصعب عزل الخلاف السوداني الإثيوبي عن الحسابات الأوسع المرتبطة بالأمن الإقليمي وممرات التجارة الدولية وقضايا المياه والطاقة.

وبناءً على ذلك، تبدو كلفة الحرب أكبر بكثير من أي مكاسب محتملة قد يسعى إليها أي من الطرفين، وهو ما يجعل خيار المواجهة العسكرية الشاملة أقل ترجيحًا مقارنة بخيارات الضغط السياسي أو الاحتواء الدبلوماسي.

الدبلوماسية الإقليمية وسيناريوهات المستقبل

في ظل إدراك الطرفين لخطورة الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، تبرز الوساطات الإقليمية باعتبارها المسار الأكثر واقعية لاحتواء الأزمة وقد عكس اللقاء الذي جمع نائب رئيس مجلس السيادة السوداني مالك عقار برئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في جيبوتي وجود رغبة إقليمية واضحة لمنع تفاقم التوتر وإعادة فتح قنوات التواصل السياسي.

وتتمتع دول ومنظمات إقليمية عدة بقدرة على لعب دور الوسيط، مثل جيبوتي والمملكة العربية السعودية والاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيغاد، وذلك بحكم علاقاتها المتوازنة مع الطرفين ومصالحها المباشرة في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي.

وفي ضوء المعطيات الحالية، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الأزمة يتمثل السيناريو الأول في نجاح جهود الوساطة وعودة الحوار السياسي، بما يؤدي إلى احتواء التوتر وإعادة تفعيل آليات التعاون الأمني والحدودي المشتركة أما السيناريو الثاني فيقوم على استمرار حالة التوتر المنخفض الحدة مع بقاء الاتهامات المتبادلة ووقوع احتكاكات محدودة دون الوصول إلى مواجهة شاملة بينما يتمثل السيناريو الثالث في فشل جهود التهدئة وحدوث تصعيد عسكري مباشر، وهو السيناريو الأكثر خطورة والأقل احتمالًا نظرًا للكلفة المرتفعة التي سيتحملها الطرفان.

وتشير المؤشرات الحالية إلى أن السيناريو الثاني يظل الأكثر ترجيحًا على المدى القريب، مع إمكانية الانتقال لاحقًا إلى مسار التهدئة إذا ما توافرت الإرادة السياسية والضمانات الإقليمية الكافية.

خاتماً: تكشف أزمة المسيرات بين السودان وإثيوبيا عن حجم الهشاشة التي تعاني منها منظومة الأمن في منطقة القرن الأفريقي، حيث تتداخل الصراعات الداخلية مع التنافسات الإقليمية في بيئة تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين ورغم خطورة الاتهامات المتبادلة والتصعيد الإعلامي والسياسي المصاحب لها، فإن الحسابات الاستراتيجية للطرفين تشير إلى أن خيار الحرب الشاملة لا يزال بعيدًا عن كونه خيارًا عقلانيًا أو قابلًا للاستدامة.

وتؤكد الأزمة في الوقت ذاته أن إدارة الخلافات بين الخرطوم وأديس أبابا لم تعد تحتمل منطق ردود الفعل أو التصعيد الإعلامي، بل تتطلب مقاربة شاملة تقوم على الحوار السياسي، وتعزيز الثقة المتبادلة، وتفعيل الآليات الإقليمية القادرة على معالجة أسباب التوتر قبل تحولها إلى صراعات مفتوحة.

وفي النهاية، فإن مستقبل العلاقات السودانية الإثيوبية لن يتحدد فقط بقدرة الطرفين على تجاوز الأزمة الراهنة، بل بمدى نجاحهما في بناء إطار جديد للتعاون الإقليمي يوازن بين المصالح الوطنية ومتطلبات الاستقرار المشترك، ويحول دون تحول منطقة القرن الأفريقي إلى بؤرة صراع دائم تهدد أمن القارة الأفريقية بأسرها.

 

 

المصدر: المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية

التاريخ : 11/5/2026

------------------------------------------------------------------------------------------

المصدر: صحيفة المصري اليوم

الكاتب : جمال طه

التاريخ : 28/5/2026


المقالات الأخيرة