يشهد النظام الدولي خلال السنوات الأخيرة تحولات متسارعة فرضتها الأزمات الجيوسياسية المتلاحقة، بدءًا من الحرب الروسية الأوكرانية، مرورًا بتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وصولًا إلى احتدام المنافسة الاستراتيجية بين القوى الكبرى في آسيا والمحيط الهادئ. وفي ظل هذه التطورات، ارتفعت مستويات الإنفاق العسكري العالمي إلى أرقام قياسية غير مسبوقة ما يعكس تغيرًا جوهريًا في أولويات الدول وإدراكها لمفهوم الأمن القومي ووفقًا لأحدث بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، بلغ الإنفاق العسكري العالمي خلال عام 2025 نحو 2.887 تريليون دولار، وهو أعلى مستوى في التاريخ الحديث ويثير هذا الارتفاع تساؤلات مهمة حول مستقبل التنمية المستدامة، ومدى تأثير سباقات التسلح على الاستقرار الدولي، وما إذا كان العالم يتجه نحو مرحلة جديدة تتقدم فيها اعتبارات الأمن على حساب التنمية والرفاه الاجتماعي.
تصاعد غير مسبوق للإنفاق
شهد الإنفاق العسكري العالمي خلال عام 2025 قفزة تاريخية جعلته يصل إلى نحو 2.887 تريليون دولار، مسجلًا العام الحادي عشر على التوالي من الزيادات المتواصلة ويعكس هذا الارتفاع تحولًا استراتيجيًا عميقًا في أولويات الحكومات التي باتت تمنح الأمن والدفاع أولوية متقدمة مقارنة بالقطاعات التنموية والخدمية كما ارتفعت نسبة الإنفاق العسكري إلى ما يقرب من 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهي أعلى نسبة منذ أكثر من عقد ونصف.
ويبرز حلف شمال الأطلسي بوصفه الفاعل الأكبر في خريطة الإنفاق العسكري العالمي، إذ استحوذت دوله على ما يقارب 55% من إجمالي الإنفاق الدفاعي العالمي كما شهدت أوروبا أكبر موجة إعادة تسلح منذ نهاية الحرب الباردة نتيجة استمرار الحرب الروسية الأوكرانية وتزايد المخاوف الأمنية المرتبطة بالتهديدات التقليدية وغير التقليدية ويؤكد هذا الاتجاه أن الأمن أصبح يمثل أولوية استراتيجية تتجاوز الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية في العديد من الدول.
أزمات العالم ومحفزات التسلح
يرتبط التصاعد المستمر في الإنفاق العسكري بالبيئة الدولية المضطربة التي يشهدها العالم حاليًا. فالحرب الروسية الأوكرانية لا تزال مستمرة دون أفق واضح للتسوية السياسية، بينما يشهد الشرق الأوسط موجات متجددة من الصراعات والتوترات الإقليمية التي تزيد من حالة عدم الاستقرار.
وفي آسيا، تتزايد المخاوف المرتبطة بالصراع حول تايوان وبحر الصين الجنوبي، في ظل المنافسة المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين كما تتنامى التحديات الأمنية في مناطق متعددة من العالم، بما يكرس حالة من عدم اليقين الاستراتيجي تدفع الدول إلى تعزيز قدراتها العسكرية تحسبًا لأي تطورات مستقبلية.
وأصبحت سياسة الردع أحد المحركات الأساسية لزيادة الإنفاق الدفاعي، حيث تسعى الدول إلى تجنب أي فجوة عسكرية قد تستغلها القوى المنافسة ونتيجة لذلك، نشأت دائرة متواصلة من سباقات التسلح المتبادلة التي ترفع مستويات الإنفاق العسكري عامًا بعد آخر.
الأمن أم التنمية المستدامة
تكشف المؤشرات الاقتصادية أن الارتفاع المتواصل في الإنفاق العسكري يفرض ضغوطًا متزايدة على الموارد المخصصة للتنمية المستدامة. ففي الوقت الذي تتطلب فيه التحديات العالمية استثمارات ضخمة في مجالات التعليم والصحة والبنية التحتية والطاقة النظيفة ومواجهة التغير المناخي، تتجه نسبة متزايدة من الموارد نحو الإنفاق الدفاعي.
وفي أوروبا، أدت التحديات الأمنية إلى إعادة توجيه جزء كبير من الموازنات العامة نحو برامج التسليح كما تواجه دول الشرق الأوسط معضلة مشابهة تتمثل في ضرورة تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن القومي والحاجة إلى تنويع الاقتصادات الوطنية وتحقيق التنمية المستدامة.
أما في إفريقيا، فقد ساهمت النزاعات المسلحة والإرهاب والصراعات الداخلية في استنزاف الموارد المالية التي كان يمكن توجيهها إلى مشروعات التنمية والبنية التحتية. ويؤكد ذلك أن العلاقة بين الأمن والتنمية أصبحت أكثر تعقيدًا، حيث يؤدي تزايد المخاطر الأمنية إلى تراجع القدرة على تحقيق أهداف التنمية طويلة الأجل.
مستقبل النظام الدولي الجديد
تشير الاتجاهات الراهنة إلى أن العالم يمر بمرحلة انتقالية تعيد تشكيل مفهوم الأمن والنفوذ في العلاقات الدولية فلم يعد الأمن يُنظر إليه باعتباره حالة مستقرة، بل أصبح عملية مستمرة من الاستعداد للمخاطر المحتملة والتعامل مع بيئة دولية شديدة التقلب.
كما أن استمرار سباقات التسلح قد يؤدي إلى ترسيخ مصالح اقتصادية وصناعية مرتبطة بالمجمعات العسكرية، بما يجعل من الصعب احتواء معدلات الإنفاق الدفاعي مستقبلاً وفي المقابل، تتراجع قدرة المؤسسات الدولية على إدارة الأزمات واحتواء النزاعات، الأمر الذي يزيد من اعتماد الدول على القوة الصلبة كوسيلة لضمان أمنها ومصالحها.
ومن المرجح أن تشهد السنوات المقبلة استمرار التنافس الاستراتيجي بين القوى الكبرى، مع تصاعد الاستثمارات العسكرية والتكنولوجية، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وأنظمة الدفاع المتقدمة ويعني ذلك أن النظام الدولي يتجه نحو مرحلة تتداخل فيها اعتبارات الأمن والتكنولوجيا والنفوذ الجيوسياسي بصورة غير مسبوقة.
خاتماً: في ضوء المعطيات الراهنة، لم يعد الارتفاع القياسي في الإنفاق العسكري العالمي مجرد مؤشر اقتصادي أو انعكاس مؤقت لأزمات دولية متفرقة، بل أصبح تعبيرًا واضحًا عن تحولات هيكلية عميقة في بنية النظام الدولي ومفهوم الأمن العالمي فالعالم اليوم يعيد ترتيب أولوياته الاستراتيجية في ظل بيئة دولية تتسم بارتفاع مستويات المخاطر وعدم اليقين، الأمر الذي يدفع الدول إلى تخصيص موارد غير مسبوقة لتعزيز قدراتها الدفاعية والعسكرية.
غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في حجم الإنفاق العسكري ذاته، بل في قدررة المجتمع الدولي على تحقيق توازن مستدام بين متطلبات الأمن وضرورات التنمية فالتنمية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، ومواجهة التغير المناخي، وتحسين جودة الحياة، تظل جميعها عناصر أساسية لتحقيق الاستقرار طويل الأمد ومن ثم، فإن مستقبل النظام الدولي لن يتحدد فقط بقدرته على بناء الجيوش وتعزيز الردع، وإنما بقدرته على معالجة جذور الأزمات التي تدفع الدول أصلًا إلى التسلح. وبذلك تبقى المفارقة الكبرى أن العالم ينفق على الاستعداد للحروب أكثر مما ينفق على صناعة السلام، وهو ما يجعل إعادة التوازن بين الأمن والتنمية أحد أبرز التحديات الاستراتيجية خلال العقود المقبلة.
المصدر : مركز رع للدراسات الاستراتيجية
الكاتب : د. نورهان العباسي
التاريخ : 5/6/2026
------------------------------------------------------------------------------------------
المصدر : إرم نيوز
الكاتب : محمد حامد
التاريخ : 12/9/2025
