تشهد منطقة شرق المتوسط تحولًا لافتًا في طريقة التعامل مع أزماتها المتشابكة، بعدما أثبتت السنوات الماضية محدودية المقاربات التقليدية القائمة على معالجة كل أزمة بمعزل عن الأخرى. فالتداخل المتزايد بين ملفات الأمن والطاقة والملاحة والهجرة والصراعات الإقليمية جعل استقرار المنطقة مرهونًا بقدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على إدارة الترابط بين هذه الأزمات، لا الاكتفاء بالسعي إلى تسويات منفصلة لكل منها. وفي هذا السياق، تبرز مخرجات ورشة العمل التي استضافتها صوفيا ضمن مبادرة شرق المتوسط باعتبارها تعكس تحولًا في التفكير الاستراتيجي، من البحث عن حلول نهائية إلى بناء مسارات تدريجية للتعاون وتعزيز المرونة الإقليمية، بما يهيئ بيئة أكثر استقرارًا في مواجهة التحديات المتصاعدة.
تحول فلسفة إدارة الصراعات
أظهرت التطورات المتلاحقة أن الحرب في غزة، والأزمة السورية، والملف الليبي، والخلافات البحرية بين تركيا واليونان، والقضية القبرصية، لم تعد ملفات مستقلة، بل أصبحت حلقات مترابطة داخل منظومة إقليمية واحدة، ينتقل تأثيرها بسرعة من ساحة إلى أخرى ومن هذا المنطلق، عكست ورشة العمل التي نظمها مركز جنيف للسياسة الأمنية ومؤسسة Swisspeace في العاصمة البلغارية صوفيا تحولًا واضحًا في التفكير الاستراتيجي، حيث لم يعد السؤال الأساسي يتمثل في كيفية إنهاء كل صراع على حدة، وإنما في كيفية إدارة العلاقات المتشابكة بين هذه الصراعات، ومنع تحول أي أزمة إلى شرارة تمتد آثارها إلى كامل الإقليم. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن السلام في المنطقة لن يتحقق عبر اتفاق شامل واحد، بل من خلال خطوات تدريجية تبني الثقة، وتخلق مصالح مشتركة، وتعزز قنوات التواصل بين الأطراف المختلفة، بما يسمح باحتواء الأزمات وتقليل احتمالات التصعيد إلى حين تهيئة الظروف اللازمة لتسويات سياسية أكثر شمولًا واستدامة.
شرق المتوسط كنظام متكامل
لم يعد شرق المتوسط مجرد فضاء جغرافي تتنافس فيه الدول على حقول الغاز أو ترسيم الحدود البحرية، بل تحول إلى نظام استراتيجي متكامل تتداخل فيه اعتبارات الأمن والطاقة والملاحة الدولية والتجارة والهجرة والبنية التحتية والاقتصاد الرقمي وإعادة الإعمار. وأصبحت أي أزمة تنشأ في إحدى ساحاته تنعكس بصورة مباشرة على بقية الملفات، سواء عبر تهديد طرق التجارة العالمية، أو اضطراب أسواق الطاقة، أو زيادة تدفقات الهجرة، أو التأثير في الاستثمارات الإقليمية والدولية. كما ارتبطت مشروعات الطاقة بخطط حماية الموانئ وخطوط الأنابيب والكابلات البحرية، في ظل تصاعد التهديدات العسكرية والإلكترونية التي تستهدف البنية التحتية الحيوية. وفي الوقت نفسه، لم تعد جهود إعادة إعمار غزة وسوريا ولبنان وليبيا مجرد مشروعات إنشائية أو اقتصادية، وإنما أصبحت ترتبط بإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتعزيز الحوكمة، وتحقيق الاستقرار الأمني، وتهيئة بيئة سياسية تسمح بعودة الاستثمارات. ولذلك، فإن مستقبل المنطقة أصبح مرهونًا بقدرة دولها على إدارة هذا الترابط المعقد، وتطوير مشروعات تعاون مشتركة تجعل المصالح الاقتصادية والأمنية أكثر ترابطًا من دوافع الصراع والمنافسة.
المرونة وبناء مؤسسات التعاون
أظهرت المناقشات التي شهدتها ورشة صوفيا أن مفهوم "المرونة" أصبح يمثل الركيزة الأساسية للتفكير الاستراتيجي الجديد، بعد أن أثبتت الأزمات الدولية المتلاحقة، من جائحة كورونا إلى الحرب الروسية الأوكرانية، مرورًا باضطرابات البحر الأحمر والتوترات في الشرق الأوسط، أن الأنظمة التي تعتمد فقط على الكفاءة الاقتصادية تكون أكثر عرضة للانهيار عند وقوع الأزمات. ولهذا تحول الاهتمام نحو بناء شبكات أكثر قدرة على الصمود، من خلال تنويع مصادر الطاقة، وتأمين طرق التجارة، وإنشاء مسارات بديلة للنقل، وتعزيز الاحتياطيات الاستراتيجية، وتطوير آليات مشتركة للاستجابة السريعة للطوارئ. وفي هذا الإطار، برزت مبادرة شرق المتوسط بوصفها مشروعًا يتجاوز حدود الحوار الفكري، إذ تسعى إلى ترسيخ إطار مؤسسي دائم للتعاون الإقليمي من خلال إنشاء مؤتمر دائم لدول شرق المتوسط، بما يسمح بتحويل الحوارات الأكاديمية والسياسية إلى سياسات عملية قابلة للتنفيذ. ويستند هذا التوجه إلى قناعة بأن بناء المؤسسات المشتركة، وتعزيز التعاون الوظيفي بين الدول، يمثلان الطريق الأكثر واقعية لتقليل فرص الصراع، وخلق بيئة مستقرة تسمح بإطلاق مشروعات تنموية واستثمارية طويلة الأجل تعود بالنفع على جميع أطراف الإقليم.
ملامح نظام إقليمي جديد
تعكس التحولات الجارية في شرق المتوسط جانبًا مهمًا من التحول الذي يشهده النظام الدولي بأكمله، حيث لم تعد أي قوة دولية قادرة على إدارة التوازنات الإقليمية منفردة، بل أصبحت المنطقة ساحة لتفاعل معقد بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين والقوى الإقليمية الصاعدة. وبينما تواصل واشنطن الاحتفاظ بدورها الأمني المؤثر، يحاول الاتحاد الأوروبي توظيف أدواته الاقتصادية والتنظيمية لدعم الاستقرار، في حين تركز الصين على توسيع حضورها من خلال الاستثمارات ومشروعات البنية التحتية دون الانخراط المباشر في الصراعات السياسية والعسكرية. وفي المقابل، تتزايد أهمية القوى الإقليمية المتوسطة في صياغة ترتيبات الأمن والتعاون، بما يمنح دول المنطقة فرصة أكبر لصياغة أولوياتها بعيدًا عن منطق الاستقطاب الدولي التقليدي. وتشير هذه المعطيات إلى أن مستقبل شرق المتوسط لن يُبنى على انتظار تسوية كبرى تنهي جميع الأزمات دفعة واحدة، وإنما على تراكم مبادرات التعاون، وتعزيز الثقة المتبادلة، وإنشاء مؤسسات إقليمية قادرة على إدارة الخلافات ومنع انتقالها إلى صراعات أوسع، بما يجعل الاستقرار عملية مستمرة تُبنى تدريجيًا عبر المصالح المشتركة، وليس مجرد نتيجة لاتفاق سياسي شامل.
ختاماً: في المحصلة، تؤكد التحولات التي تشهدها منطقة شرق المتوسط أن مستقبل الاستقرار الإقليمي لن يعتمد على انتظار اتفاقات سياسية شاملة بقدر ما سيرتبط ببناء منظومة تعاون مرنة وقادرة على احتواء الأزمات قبل تحولها إلى صراعات واسعة. ويعكس هذا التوجه انتقالًا من منطق إدارة الأزمات المنفصلة إلى إدارة الترابط بين الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية، بما يحد من آثارها المتبادلة ويعزز المصالح المشتركة. ومن ثم، فإن نجاح أي إطار إقليمي مستقبلي سيظل مرهونًا بقدرة دول المنطقة على تطوير مؤسسات دائمة للحوار والتنسيق، وصياغة رؤية مشتركة تجعل التعاون أداة لإنتاج الاستقرار، وتمهد تدريجيًا لسلام أكثر استدامة في شرق المتوسط.
المصدر: مركز الأهرام للدرسات السياسية والاستراتيجية
الكاتب : د. أحمد قنديل
التاريخ : 22/7/2026
-----------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: صحيفة إيلاف
الكاتب : مصطفى فحص
التاريخ : 17/7/2026
