الموقف الأمريكي من استخدام الأسلحة الكيماوية في السودان
فرع القاهرة

تطرح قضية استخدام الأسلحة الكيماوية في السودان واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيدًا في سياق الحرب الدائرة في البلاد منذ أبريل 2023 إذ لا تتصل القضية بمجرد إثبات واقعة عسكرية أو تحديد مسؤولية طرف من أطراف الصراع وإنما تمتد إلى سؤال أوسع يتعلق بمدى قدرة النظام الدولي على حماية المعايير التي أنشأها لمنع استخدام أسلحة الدمار الشامل وضمان تطبيقها بصورة متسقة ومحايدة وفي مايو 2025 أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية أنها خلصت إلى أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيماوية خلال عام 2024 ثم تبع ذلك في يونيو من العام نفسه إعلان حزمة من العقوبات استنادًا إلى التشريعات الأمريكية المتعلقة بمكافحة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية وإنهاء الحرب وقد دخلت هذه الإجراءات حيز التنفيذ في يوليو 2026 بعد إعلان واشنطن أن الخرطوم لم تستوفِ الشروط المطلوبة لتجنب العقوبات.

وتكتسب هذه التطورات أهميتها من طبيعة الاتهام ذاته ومن الجهة التي أصدرته ومن الآلية التي استخدمت لإثباته وإنفاذ نتائجهفالأسلحة الكيماوية تمثل إحدى أكثر فئات الأسلحة المحظورة دوليًا وضوحًا من الناحية القانونية والأخلاقية وقد أرست اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية لعام 1993 منظومة متكاملة للرقابة والتحقق والتحقيق في الادعاءات المتعلقة باستخدام هذه الأسلحة وتقوم هذه المنظومة بصورة أساسية على إخضاع الوقائع محل النزاع لإجراءات فنية ومؤسسية متعددة الأطراف بدلًا من ترك عملية الإثبات بالكامل للأطراف السياسية المتنازعة أو للدول التي تمتلك مصالح مباشرة في الصراع.

 

 

الإطار القانوني لحظر الأسلحة الكيماوية

تمثل اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية لعام 1993 أحد أهم أركان منظومة نزع السلاح وعدم الانتشار في النظام الدولي المعاصر إذ لم تكتفِ بحظر تطوير الأسلحة الكيماوية أو إنتاجها أو حيازتها أو استخدامها وإنما أنشأت إطارًا مؤسسيًا متكاملًا للتأكد من التزام الدول الأطراف بالتزاماتها وتكتسب هذه المنظومة خصوصيتها من كونها تجمع بين الحظر القانوني وآليات التحقق الفني بما يجعل مسألة إثبات الاستخدام مرتبطة بإجراءات مؤسسية تتجاوز مجرد الادعاء السياسي.

وتتولى منظمة حظر الأسلحة الكيماوية دورًا مركزيًا في هذه المنظومة حيث تمتلك مجموعة من الآليات التي يمكن استخدامها للتحقق من الادعاءات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيماوية وتشمل هذه الآليات بعثات تقصي الحقائق والتحقيقات الفنية وغيرها من الإجراءات التي تهدف إلى جمع الأدلة وتحليلها وتحديد طبيعة المواد المستخدمة والظروف المرتبطة بالحادثة. كما توجد آليات أكثر تقدمًا تسمح بالانتقال من مجرد إثبات وقوع استخدام محتمل إلى محاولة تحديد الجهة المسؤولة عن ذلك الاستخدام.

وتنبع أهمية هذه الإجراءات من الفصل بين عملية الإثبات وبين المواقف السياسية للأطراف. ففي النزاعات المسلحة تكون كل جهة طرفًا في رواية تسعى إلى إثبات مسؤولية خصمها ومن ثم فإن منح أي طرف منفرد سلطة تحديد الحقيقة دون مراجعة مستقلة قد يؤدي إلى تحويل مسألة قانونية وفنية إلى أداة سياسية أما الآلية المؤسسية متعددة الأطراف فتسعى إلى تقليل هذا الاحتمال من خلال إخضاع الأدلة للفحص الفني وإتاحة المجال لتقييمها ضمن إطار مؤسسي يمكن للدول الأطراف مناقشته ومراجعته.

وتظهر أهمية هذه القاعدة بصورة أكبر عندما يتعلق الأمر بالأسلحة الكيماوية لأن إثبات استخدامها لا ينبغي أن يقوم فقط على شهادات أو تقديرات سياسية بل يتطلب في الأصل جمع عينات وتحليلها وتحديد طبيعة المادة المستخدمة وربطها بالحادث محل التحقيق وتقييم الظروف الميدانية المحيطة به كما أن تحديد المسؤولية يمثل مرحلة أكثر تعقيدًا من مجرد إثبات وقوع الاستخدام إذ يحتاج إلى أدلة إضافية تسمح بربط الفعل بجهة محددة.

وفي الحالة السودانية تبرز هذه المسألة بصورة واضحة لأن السودان دولة طرف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية ومن ثم فإن القضية من حيث المبدأ تقع ضمن نطاق النظام المؤسسي الذي أنشأته الاتفاقية وبذلك يصبح السؤال الأساسي هو لماذا لم يكن المسار المؤسسي هو الأداة الأولى للتحقق من الاتهام قبل الانتقال إلى العقوبات الوطنية الأمريكية.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن التقديرات الاستخباراتية الأمريكية تفتقر إلى القيمة أو أن المعلومات التي تستند إليها غير صحيحة فالدول تمتلك أجهزة استخبارات قادرة على جمع معلومات لا تكون متاحة للمنظمات الدولية وقد تستخدم هذه المعلومات في تقييم التهديدات الأمنية واتخاذ القرارات السياسية غير أن الفرق بين التقييم الاستخباراتي وبين الإثبات المؤسسي يكمن في طبيعة الغرض من كل منهما. فالاستخبارات مصممة أساسًا لدعم القرار السياسي والأمني بينما تهدف آليات التحقق الدولية إلى إنتاج معرفة يمكن تدقيقها ومناقشتها ضمن إطار قانوني ومؤسسي.

المسار الأمريكي والاعتبارات السياسية

يمثل القرار الأمريكي المتعلق بالسودان نموذجًا مختلفًا عن المسار المؤسسي لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية إذ اعتمدت واشنطن على التشريع الأمريكي الذي يتيح للسلطة التنفيذية إصدار تحديد وطني بشأن استخدام دولة ما للأسلحة الكيماوية وترتيب مجموعة من الإجراءات العقابية بناءً على هذا التحديد ويمنح هذا الإطار القانوني الإدارة الأمريكية قدرة واسعة على التحرك بصورة مستقلة عن الإجراءات متعددة الأطراف.

وتشمل العقوبات المترتبة على هذا المسار قيودًا على المساعدات والقروض وبعض أشكال التمويل والدعم الحكومي فضلًا عن تشديد القيود على الصادرات والإجراءات المتعلقة بالنقل الجوي وغيرها من التدابير التي تهدف إلى زيادة تكلفة السلوك المستهدف ويبدو هذا النهج من منظور السياسة الخارجية الأمريكية أداة مباشرة تسمح بالانتقال السريع من مرحلة الاتهام إلى مرحلة الضغط دون انتظار المسارات الدولية التي قد تكون بطيئة أو معقدة.

غير أن سرعة الاستجابة تمثل في الوقت نفسه أحد مصادر الإشكال في الحالة السودانية فالآليات الدولية متعددة الأطراف قد تستغرق وقتًا أطول لأنها تتطلب جمع الأدلة وتحليلها ومراجعتها ومناقشة نتائجها بينما يسمح القرار الأحادي للدولة باتخاذ إجراء سريع استنادًا إلى معلومات تملكها أجهزتها الحكومية ويصبح السؤال في هذه الحالة متعلقًا بالموازنة بين سرعة الإنفاذ وبين جودة عملية الإثبات.

وقد تبرر الولايات المتحدة هذا الخيار باعتبارات عملية وأمنية. فالحرب السودانية تجري في بيئة شديدة الخطورة ويصعب الوصول إلى مناطق القتال كما أن إرسال فرق تحقيق دولية قد يكون معرضًا لمخاطر أمنية كبيرة كذلك فإن الإجراءات المؤسسية قد تواجه تعقيدات سياسية داخل المؤسسات الدولية وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تأخير الاستجابة. ومن هذا المنظور يمكن فهم القرار الأمريكي بوصفه محاولة لاستخدام الأدوات المتاحة لديها في مواجهة انتهاك تعتبره خطيرًا.

إلا أن هذه الحجة لا تنهي الإشكالية بل تنقلها إلى مستوى آخر يتمثل في العلاقة بين الضرورة العملية والشرعية المؤسسية. فإذا كانت الصعوبات الأمنية والسياسية تمنع التحقيق الفوري فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن التقدير الوطني يجب أن يحل نهائيًا محل التحقيق الدولي كان من الممكن نظريًا أن تتخذ دولة ما إجراءات احترازية بناء على معلوماتها الخاصة مع الاستمرار في المطالبة بتحقيق دولي مستقل. أما تحويل التقدير الوطني إلى أساس نهائي للعقوبات دون مسار واضح للتحقق الخارجي فيخلق فجوة بين الاتهام وبين الإثبات.

التأثير على منظومة حظر الأسلحة الكيماوية 

تكمن خطورة الحالة السودانية في أنها لا تقتصر على العلاقة الثنائية بين واشنطن والخرطوم وإنما تمس بصورة مباشرة مصداقية النظام الدولي المعني بحظر الأسلحة الكيماوية فالمعايير الدولية لا تعمل بمعزل عن إدراك الدول لها وإنما تعتمد بدرجة كبيرة على اعتقاد الدول بأن تطبيقها يتم بصورة متسقة وغير انتقائية.

وعندما ترى دولة ما أن اتهامًا خطيرًا يمكن أن يؤدي إلى عقوبات واسعة دون المرور بآلية تحقق مستقلة فقد تستنتج أن المسألة لا تتعلق فقط بالسلوك وإنما كذلك بموقع الدولة المستهدفة في النظام الدولي وهذا التصور قد يؤدي إلى تقليل استعداد الدول للتعاون مع المؤسسات الدولية أو إلى التشكيك في حيادها.

وتصبح المقارنة مع الحالة السورية مهمة في هذا السياق ليس باعتبارها حالة مطابقة للحالة السودانية وإنما بوصفها نموذجًا يمكن من خلاله فهم أهمية الآليات المؤسسية فقد شهد الملف السوري استخدام بعثات تقصي الحقائق وآليات تحقيق متعددة ثم جرى الانتقال في مراحل لاحقة إلى إجراءات تهدف إلى تحديد المسؤولية عن بعض الهجمات ورغم الانتقادات التي وجهت إلى هذه الإجراءات فإن وجود مسار مؤسسي مكّن المجتمع الدولي من مناقشة الأدلة والتقارير بدلًا من الاقتصار على إعلان وطني منفرد.

أما في الحالة السودانية فإن الانتقال المباشر إلى العقوبات دون ظهور مسار مؤسسي مماثل يخلق انطباعًا بوجود تفاوت في طريقة تطبيق القاعدة وهذا التفاوت لا يعني بالضرورة أن الاتهام السوداني غير صحيح وإنما يعني أن طريقة التعامل معه لا تمنح المعيار الدولي الدرجة نفسها من الشرعية الإجرائية.

وتبرز هنا مسألة الانتقائية التي تعد من أكثر القضايا حساسية في العلاقات الدولية فعندما تطبق القاعدة بصورة أكثر صرامة في حالات معينة بينما يجري التعامل مع حالات أخرى من خلال أدوات مختلفة فإن الدول والمجتمعات المتضررة قد تبدأ في تفسير هذا الاختلاف وفق الحسابات الجيوسياسية لا وفق طبيعة الانتهاك وفي هذه الحالة يصبح المعيار عرضة للتسييس حتى إذا كانت نية الدولة المنفذة هي الدفاع عنه.

آفاق المعالجة وتعزيز المصداقية الدولية

تفرض التطورات المرتبطة بالاتهام باستخدام الأسلحة الكيماوية في السودان الحاجة إلى مقاربة تتجاوز ثنائية التصديق على الاتهام أو رفضه. فالهدف الأساسي ينبغي أن يكون الوصول إلى الحقيقة من خلال آلية يمكن لجميع الأطراف قبول نتائجها أو على الأقل التعامل معها بوصفها نتيجة صادرة عن جهة فنية مستقلة.

ويأتي في مقدمة المقترحات ضرورة إجراء تحقيق مؤسسي مستقل تحت مظلة منظمة حظر الأسلحة الكيماوية وتكمن أهمية هذا الخيار في أنه يوفر مخرجًا من حالة الاتهام والنفي المتبادل. فإذا كان استخدام الأسلحة الكيماوية قد وقع بالفعل فإن التحقيق المستقل سيساعد على توثيق الواقعة وتحديد طبيعتها والظروف المرتبطة بها بما يسمح ببناء مسار للمساءلة يستند إلى أدلة قابلة للتدقيق. وإذا لم تثبت الواقعة فإن التحقيق يوفر في المقابل أساسًا موضوعيًا لتفنيد الاتهام.

ولا ينبغي النظر إلى المطالبة بالتحقيق المستقل بوصفها موقفًا مؤيدًا للسودان أو معارضًا للولايات المتحدة وإنما باعتبارها دفاعًا عن المعيار الدولي نفسه. فالتحقيق المستقل يخدم الطرف المتهم إذا كان بريئًا كما يخدم المجتمع الدولي إذا كان الاتهام صحيحًا. وفي كلتا الحالتين تكون النتيجة أكثر قوة من الناحية القانونية والسياسية عندما تصدر عن مؤسسة متخصصة بدلًا من أن تبقى محل نزاع بين حكومتين.

كما ينبغي أن ترافق التحقيقات الدولية درجة مناسبة من الشفافية. ولا يعني ذلك الكشف عن كل المعلومات الاستخباراتية الحساسة التي قد تملكها الدول وإنما توفير أكبر قدر ممكن من الأدلة والنتائج الفنية التي تسمح للخبراء والدول الأطراف بتقييم الاستنتاجات. فالسرية الكاملة قد تكون ضرورية في بعض مراحل العمل الاستخباراتي لكنها لا ينبغي أن تصبح قاعدة دائمة عندما يتعلق الأمر باتهام خطير يمكن أن تترتب عليه عقوبات دولية أو آثار سياسية واسعة.

أما المقترح الثاني فيتمثل في الفصل الواضح بين المسار الإنساني والمسار العقابي. فالهدنة الإنسانية ينبغي أن تكون مرتبطة بحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات وإجلاء الجرحى وضمان سلامة العاملين في المجال الإنساني. ويجب ألا تتحول إلى أداة للحصول على تنازلات سياسية أو إلى شرط لقبول الرواية التي تتبناها إحدى القوى الدولية.

ويحتاج هذا الفصل إلى توافق بين القوى الدولية والإقليمية على أن المساءلة لا تتعارض مع حماية المدنيين وإنما يجب أن تسير في مسار موازٍ ومستقل. ويمكن للمجتمع الدولي أن يواصل إجراءات التحقيق وتوثيق الانتهاكات في الوقت نفسه الذي يدفع فيه باتجاه هدنة إنسانية لا تتطلب من الأطراف تقديم تنازلات سياسية تتجاوز الغرض الإنساني المباشر.

خاتماً: تكشف قضية الاتهام باستخدام الأسلحة الكيماوية في السودان عن إشكالية تتجاوز حدود النزاع السوداني لتصل إلى جوهر العلاقة بين القانون الدولي والقوة السياسية فالمسألة لا تتمثل فقط في معرفة ما إذا كانت أسلحة كيماوية قد استخدمت خلال الحرب وإنما في معرفة الكيفية التي يمكن من خلالها إثبات هذه الواقعة بصورة تحظى بالثقة الدولية. وتزداد أهمية هذا السؤال عندما يكون الاتهام صادرًا عن دولة تمتلك وزنًا سياسيًا وعسكريًا كبيرًا وتشارك في الوقت نفسه بصورة مباشرة أو غير مباشرة في مسارات الضغط والتفاوض المتعلقة بالنزاع.

وقد أظهر تحليل المسار الأمريكي أن واشنطن امتلكت أساسًا قانونيًا داخليًا يسمح لها باتخاذ إجراءات عقابية استنادًا إلى تقديرها الوطني بشأن استخدام الأسلحة الكيماوية. إلا أن وجود الأساس القانوني الداخلي لا يحسم بالضرورة مسألة الشرعية أو المصداقية على المستوى الدولي. فهناك فرق جوهري بين قدرة دولة على اتخاذ قرار وفق قانونها الوطني وبين قدرة المجتمع الدولي على اعتبار هذا القرار إثباتًا نهائيًا لواقعة دولية.

المصدر: مركز الأهرام للدرسات السياسية والاستراتيجية

الكاتب : د. أماني الطويل

التاريخ : 13/8/2026

-----------------------------------------------------------------------------------------

المصدريورونيوز

التاريخ : 24/7/2026


المقالات الأخيرة