يحتل تمكين المرأة مكانة محورية في أجندة التنمية المستدامة العالمية، حيث يُعد الهدف الخامس من أهداف التنمية المستدامة "تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين جميع النساء والفتيات" ركيزة أساسية لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة. وتؤكد أدبيات التنمية أن تمكين المرأة ليس غاية في حد ذاته فحسب، بل هو أيضاً وسيلة فعالة لتحفيز النمو الاقتصادي والحد من الفقر وتعزيز الرفاه الاجتماعي.
تتميز الدول العربية بسياق خاص فيما يتعلق بقضية تمكين المرأة، إذ تجمع بين إنجازات تعليمية لافتة للنساء من جهة، ومستويات متدنية من المشاركة الاقتصادية من جهة أخرى. فرغم التحسن الملحوظ في مؤشرات التعليم والصحة، لا تزال الفوارق كبيرة في مجالات العمل والتمكين الاقتصادي. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تسجل أدنى معدل لمشاركة النساء في القوى العاملة على مستوى العالم، حيث لا تتجاوز النسبة 19%، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ 48%. هذه الفجوة تعكس خسارة كبيرة في الإمكانات الاقتصادية للمنطقة، وتطرح تساؤلات جوهرية حول السياسات والإصلاحات اللازمة لتعزيز مشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي.
الإطار المفاهيمي لتمكين المرأة وأبعاده الاقتصادية
_ مفهوم التمكين الاقتصادي للمرأة
يُعرّف تمكين المرأة اقتصادياً بأنه العملية التي تتيح للمرأة زيادة فرص تدخلها في الأنشطة الاقتصادية، وتمكينها من السيطرة على موارد الأسرة ومصادر دخلها. وهو عملية تغيير شاملة تهدف إلى رفع مكانة المرأة في المجتمع بمساعدة الدولة والمجتمع، مع التركيز على أهمية تمكين المرأة في مختلف المجالات. ويشمل التمكين الاقتصادي للمرأة أربعة معايير رئيسية هي: المعيار التعليمي، والمعيار السياسي، والمعيار الاقتصادي، والمعيار الصحي.
_ آليات تأثير تمكين المرأة على النمو الاقتصادي
يمكن تتبع أثر تمكين المرأة على النمو الاقتصادي من خلال عدة قنوات رئيسية:
واقع المشاركة الاقتصادية للمرأة العربية ومؤشرات القياس
_ مؤشرات المشاركة الاقتصادية
تكشف البيانات المتاحة عن واقع مقلق لمشاركة المرأة العربية في النشاط الاقتصادي. ففي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تبلغ نسبة مشاركة النساء في القوى العاملة 19% فقط، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ 48%. وتشير تقديرات أخرى إلى أن النسبة لا تتجاوز 21% في المنطقة مقابل 51% عالمياً. وتعكس هذه الأرقام فجوة جندرية واسعة في سوق العمل، إذ يبلغ متوسط فجوة البطالة بين الجنسين في نصف دول المنطقة أكثر من 9 نقاط مئوية، مقارنة بمتوسط عالمي يقل عن 0,5 نقطة مئوية.
غير أن المشهد ليس متجانساً في جميع الدول العربية، فهناك تباين كبير في معدلات المشاركة. ففي السعودية، على سبيل المثال، ارتفعت مشاركة النساء في القوى العاملة من 17,4% في عام 2017 إلى 36,3% في عام 2025، بعد إجراء إصلاحات قانونية كبرى. وفي الأردن، تسعى رؤية التحديث الاقتصادي إلى مضاعفة معدل مشاركة النساء من 14% إلى 28% بحلول عام 2033.
_ مؤشرات قياس تمكين المرأة
تعتمد الدراسات الاقتصادية على مجموعة من المؤشرات لقياس تمكين المرأة، من أبرزها:
_ العقبات التي تحد من المشاركة الاقتصادية للمرأة العربية
تواجه المرأة العربية مجموعة مترابطة من العقبات التي تحد من مشاركتها الاقتصادية، يمكن تصنيفها على النحو التالي:
العلاقة بين تمكين المرأة والنمو الاقتصادي: الأدلة القياسية
_ الأدلة العالمية والإقليمية
تراكمت في العقود الأخيرة أدلة قياسية قوية تؤكد وجود علاقة إيجابية بين تمكين المرأة والنمو الاقتصادي. فتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن سد الفجوات في التوظيف بين الجنسين يمكن أن يؤدي إلى رفع نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي بنحو 50% على المدى الطويل في الاقتصاد النموذجي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتشير أبحاث أخرى إلى أن زيادة مشاركة المرأة الخليجية ضمن القوى العاملة سيضيف 180 مليار دولار، أي 7%، إلى الاقتصاد. كما قد ترفع مشاركة النساء الناتج المحلي للفرد في المنطقة بنسبة تصل إلى 30%.
وتذهب تقديرات البنك الدولي إلى أبعد من ذلك، حيث تشير إلى أن سد الفجوات في التوظيف بين الجنسين قد يؤدي إلى زيادة نصيب الفرد من الدخل بنسبة 51% في الاقتصاد النموذجي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتشير نماذج النمو الكلاسيكية الجديدة إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للفرد يمكن أن يكون أعلى بنحو 50% في الاقتصاد النموذجي في المنطقة إذا تم سد فجوات التوظيف بين الجنسين (بمتوسط 54%، ووسيط 49%).
_ أدلة على مستوى الدول
على المستوى الوطني، أظهرت الدراسات القياسية نتائج متسقة مع الأدلة الإقليمية. ففي السعودية، أثبتت دراسة حديثة أن مشاركة المرأة في القوى العاملة لها أثر إيجابي ذو دلالة إحصائية على الناتج المحلي الإجمالي في جميع مناطق المملكة. وفي مصر، توصلت دراسة إلى أن تمكين المرأة وزيادة مشاركتها في سوق العمل له تأثير إيجابي واضح على النمو الاقتصادي. كما أظهرت دراسة جزائرية وجود علاقة بين تمكين المرأة اقتصادياً وسياسياً ومستوى التنمية البشرية خلال الفترة (1990-2020).
وتشير الدراسات أيضاً إلى أن النمو الاقتصادي يمكن أن يحد من الفجوة الجندرية، في حين أن البطالة النسائية تزيد من هذه الفجوة في الأجل الطويل. وهذا يشير إلى وجود علاقة تفاعلية بين تمكين المرأة والنمو الاقتصادي، حيث يعزز كل منهما الآخر.
_ التكلفة الاقتصادية لعدم تمكين المرأة
يمكن تقدير التكلفة الاقتصادية لعدم تمكين المرأة في الدول العربية من خلال حجم المكاسب الضائعة. فمع مشاركة 19% فقط من النساء في القوى العاملة، فإن المنطقة تخسر جزءاً كبيراً من إنتاجها المحتمل. وتشير تقديرات صندوق النقد العربي إلى أن القضاء على عدم المساواة بين الرجل والمرأة من شأنه أن يسهم في زيادة الناتج المحلي الإجمالي. كما تشير دراسات أخرى إلى أن تمكين المرأة اقتصادياً ومالياً من شأنه مساعدة البلدان على زيادة ناتجها المحلي الإجمالي بما يتراوح بين 12-28%.
وتتجاوز التكلفة الاقتصادية الجانب الكمي لتشمل جوانب نوعية، مثل فقدان الابتكار والإبداع النسائي، وضعف تنافسية الاقتصادات، واستمرار دورات الفقر بين الأجيال نتيجة لضعف تمكين المرأة اقتصادياً.
أولويات السياسات لتعزيز تمكين المرأة اقتصادياً في الدول العربية
انطلاقاً من تحليل واقع المشاركة الاقتصادية للمرأة العربية والأدلة على أثر تمكين المرأة في النمو الاقتصادي، يمكن تحديد مجموعة من أولويات السياسات التي تتطلب تدخلاً عاجلاً ومنسقاً:
_ أولويات السياسات التشريعية والقانونية
_ أولويات السياسات الاجتماعية
_ أولويات السياسات الاقتصادية والمالية
_ أولويات السياسات المؤسسية والإحصائية
الخاتمة
تؤكد هذه الدراسة أن تمكين المرأة يشكل ركيزة أساسية لتحقيق النمو الاقتصادي الشامل والمستدام في الدول العربية. فرغم التحسن الملحوظ في مؤشرات التعليم والصحة للنساء في المنطقة، لا تزال مستويات المشاركة الاقتصادية متدنية بشكل كبير، مما يمثل خسارة اقتصادية فادحة تقدر بنسبة تتراوح بين 30% و50% من الناتج المحلي للفرد.
وتستند العلاقة بين تمكين المرأة والنمو الاقتصادي إلى أسس نظرية وتجريبية راسخة، إذ تؤكد الدراسات القياسية وجود أثر إيجابي ذي دلالة إحصائية لمشاركة المرأة في القوى العاملة على الناتج المحلي الإجمالي. غير أن تحقيق هذا الأثر يتطلب معالجة متكاملة للعقبات القانونية والاجتماعية والهيكلية والاقتصادية التي تواجهها المرأة العربية.
وتوصي الدراسة بمجموعة من السياسات المتكاملة في المجالات التشريعية والاجتماعية والاقتصادية والمؤسسية، مع التركيز على إصلاح القوانين التمييزية، وتوفير خدمات الرعاية ووسائل النقل، وتعزيز الشمول المالي ودعم ريادة الأعمال النسائية، وتطوير البيانات والمؤشرات المصنفة حسب الجنس. كما تؤكد على ضرورة تبني نهج تشاركي يشرك جميع الأطراف المعنية من حكومات وقطاع خاص ومجتمع مدني ومنظمات دولية، لضمان فعالية واستدامة سياسات تمكين المرأة في المنطقة العربية.
إن تحقيق التمكين الاقتصادي للمرأة العربية ليس مجرد التزام أخلاقي أو قانوني فحسب، بل هو استثمار استراتيجي في مستقبل المنطقة، وضرورة حتمية لتحقيق النمو الاقتصادي المنشود والتنمية المستدامة التي تضع الإنسان في صميم أولوياتها.
المراجع
_ الإسكوا (لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا). (2025). التنمية المستدامة والمساواة بين الجنسين: قراءة في واقع المنطقة العربية 2024. بيروت: الإسكوا.
_البنك الدولي. (2025). تعزيز الحقوق القانونية آفاق أوسع لزيادة المشاركة الاقتصادية للمرأة: منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان. مدونة البنك الدولي، مارس 2025.
