يشهد ملف المواد الخام الحرجة في الاتحاد الأوروبي تحولاً استراتيجياً مُتسارعاً؛ حيث أصبح مرتبطاً بشكل مباشر بالأمن الاقتصادي والاستقلالية الاستراتيجية للاتحاد في ظل تصاعد الطلب على المعادن الحيوية اللازمة للتحول الأخضر والرقمي. فالاتحاد الأوروبي، الذي يستورد نحو 98% من العناصر الأرضية النادرة من الصين, أدرك أن هذه التبعية تشكل نقطة ضعف قاتلة في مواجهة أي صراع جيوسياسي محتمل مع بكين. ولمعالجة هذا الضعف، لم يكتفِ بوضع أهداف طموحة داخل حدوده، بل أطلق العنان لدبلوماسية واسعة النطاق لبناء تحالفات مع أغنى مناطق العالم بهذه المعادن: أفريقيا وأمريكا اللاتينية.
هذه الورقة تسعى للإجابة عن سؤال مركزي: هل هذه التحالفات الأوروبية الجديدة تُعد نافذة حقيقية للخروج من الهيمنة الصينية وبناء نظام متعدد الأقطاب للثروات المعدنية، أم أنها مجرد إعادة إنتاج لنمط التبعية الكلاسيكي، ولكن مع لاعبين جدد؟ يتكون المقال من أربعة محاور: أولاً، تحليل جذور الأزمة وملامح التبعية الأوروبية. ثانياً، تفصيل الإطار التشريعي الحاكم للسياسة الأوروبية. ثالثاً، دراسة متعمقة لطبيعة التحالفات القائمة مع أفريقيا وأمريكا اللاتينية. ورابعاً، الخلاصة التي تجيب عن سؤال الورقة الجوهري.
1. جذور الأزمة: فجوة الطلب واحتكار سلسلة القيمة
تعاني أوروبا من فجوة هيكلية عميقة بين طلبها المتصاعد على المعادن وإمداداتها المحلية المحدودة. فوفقاً للوكالة الدولية للطاقة، من المتوقع أن يرتفع الطلب على معادن مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل بمعدلات تتراوح بين خمسة وسبعة أضعاف بحلول عام 2040. وبينما تمتلك القارة الأوروبية احتياطيات تعدينية لا بأس بها في دول مثل البرتغال (الليثيوم) واليونان (النيكل)، فإن مشكلتها الحقيقية تكمن في تركيز أنشطة التكرير والتصنيع النهائي في عدد محدود من الدول، وعلى رأسها الصين، التي تسيطر على أكثر من 80% من تكرير الليثيوم والكوبالت وحوالي 90% من معالجة العناصر الأرضية النادرة عالمياً. وهذا يعني أن أوروبا، حتى لو استخرجت المواد الخام من مناطق أخرى، فإنها تضطر لإرسالها إلى الصين لتحويلها إلى مواد قابلة للاستخدام الصناعي.
لقد كانت الصدمات الجيوسياسية المتكررة، بدءاً من جائحة كورونا التي عطلت سلاسل التوريد، إلى الحرب الروسية الأوكرانية التي شلّت أسواق الطاقة، ثم القيود التصديرية التي فرضتها الصين على معادن الغاليوم والجرمانيوم، بمثابة جرس إنذار لصناع القرار في بروكسل. لم يعد الأمر مجرد تنافس اقتصادي، بل أصبح مادة أساسية للأمن القومي.
2. الإطار التشريعي الحاكم: قانون المواد الخام الحرجة (CRMA)
في مايو 2024، دخل "قانون المواد الخام الحرجة" حيز التنفيذ، ليكون حجر الزاوية في الاستراتيجية الأوروبية الجديدة. يحدد القانون قائمة تضم 34 مادة خام حرجة و17مادة استراتيجية, ويضع أهدافاً ملزمة لتحقيقها بحلول عام 2030:
- استخراج ما لا يقل عن 10% من الاحتياجات السنوية للاتحاد داخلياً.
- تكرير ما لا يقل عن 40% من الاحتياجات داخل أوروبا.
- تدوير ما لا يقل عن 25% من الاحتياجات من المواد المستعملة.
- ألا يتجاوز اعتماد الاتحاد على مورد واحد في أي مرحلة من مراحل سلسلة التوريد نسبة 65%.
لكن ما يهم هذه الورقة تحديداً هو البعد الخارجي للقانون. في يونيو 2025، اتخذت المفوضية الأوروبية خطوة غير مسبوقة باعتماد أول قائمة تضم 13 مشروعاً استراتيجياً تقع خارج حدود الاتحاد (في 11 دولة ومنطقتين ماورائيتين). هذه المشاريع، التي تغطي استخراج ومعالجة الليثيوم والنيكل والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة، تقع في دول مثل زامبيا والبرازيل وجنوب أفريقيا وكازاخستان وكندا، وتبلغ قيمتها الاستثمارية التقديرية 5.5 مليار يورو. كان الهدف المعلن هو تنويع المصادر عبر ممرات متعددة تتجاوز "القبضة الصينية"، بهدف "عدم تجاوز مورد واحد 75% من احتياجات الاتحاد السنوية".
3. التحالفات مع أفريقيا وأمريكا اللاتينية: من يضع القواعد؟
3.1. أمريكا اللاتينية: شراكة القيمة المضافة
تتركز جهود أوروبا في أمريكا اللاتينية على "المثلث الليثيومي" (تشيلي، الأرجنتين، بوليفيا) الذي يضم أكثر من نصف احتياطيات العالم من هذا المعدن الحيوي للبطاريات. تبعث البعثات الأوروبية المتكررة في تشيلي والأرجنتين برسالة جديدة تتجاوز الاستخراج التقليدي: فنحن لا نريد مجرد شراء الليثيوم الخام، بل نريد الاستثمار في مصانع تحويله إلى كيماويات البطاريات داخل دول أمريكا اللاتينية. هذا النموذج الذي يتبناه الاتحاد الأوروبي لتحقيق "المنفعة المتبادلة" هو ما يميز استراتيجيته الجديدة. لقد أصدر الاتحاد الأوروبي لوائح تحث على نقل التكنولوجيا والتمويل المشترك لتمكين الدول المنتجة من الحصول على حصة أكبر من القيمة المضافة لثرواتها الطبيعية، وهو ما يعد تحولاً عن النماذج الاستعمارية السابقة.
3.2. أفريقيا: ساحة تنافس استراتيجي
أفريقيا هي مركز الثقل الحقيقي في الصراع العالمي حول المعادن الإستراتيجية. فتحتوي القارة على نحو 30% من الاحتياطيات العالمية من المعادن الحرجة، مثل الكوبالت (جمهورية الكونغو الديمقراطية)، والمنغنيز (الغابون وجنوب أفريقيا)، والنحاس والليثيوم في زامبيا وزيمبابوي.
يتجسد النموذج الأوروبي في أفريقيا بشكل واضح في الشراكة مع زامبيا. فزامبيا، وهي منتج رئيسي للنحاس والكوبالت، تربطها مذكرة تفاهم مع الاتحاد الأوروبي منذ عام 2023. لكن السمة الأبرز في أفريقيا هي التنافس الشرس مع الصين. ففي مشروع "ممر لوبيتو" الضخم، الذي يربط مناجم النحاس في الكونغو وزامبيا بميناء لوبيتو الأنجولي، تتنافس أوروبا والولايات المتحدة مع بكين التي تعيد تأهيل السكك الحديدية ولها استثمارات ضخمة في المناجم نفسها. بيد أن هذه المنافسة لا تخلو من التناقضات، فحتى لو نجحت أوروبا في تغيير مسار الصادرات عبر الممرالأطلسي، فإن أكثر من 90% من تكرير هذه المعادن لا يزال يحدث في الصين في نهاية المطاف. وهذا يكشف عن مفارقة جوهرية: أوروبا تغير مسار الاستخراج لكنها تظل عاجزة عن تحدي احتكار الصين لمرحلة التكرير.
4. الإجابة على السؤال الجوهري: تنويع أم استبدال الشكل؟
العودة إلى سؤال الورقة الأساسي: هل تمثل هذه التحالفات تنويعاً حقيقياً للمصادر أم مجرد استبدال شكل التبعية؟
لدى الاتحاد الأوروبي مشكلة أعمق من مجرد تغيير مصدر المادة الخام. أوروبا، حتى لو عثرت على الليثيوم والكوبالت في أمريكا اللاتينية وأفريقيا، فقد توقفت عن الاستثمار في القدرة على تحويلها إلى منتجات جاهزة. "سلسلة القيمة" الكاملة للمعادن الحرجة تتكون من ثلاث مراحل: الاستخراج، والتكرير/المعالجة، والتصنيع النهائي. الصين تسيطر على المرحلة الثانية (الأكثر تعقيداً وربحية)، وأصبحت الآن تستثمر في المرحلة الثالثة. أوروبا نجحت في بعض النواحي في بناء تحالفات في المرحلة الأولى فقط، واستمرت في تركيزها على الاستخراج بدلاً من البناء التكراري.
بتعبير أدق، يجيب البحث عن هذه الظاهرة بأن السياسة الأوروبية هي "استبدال جزئي" وليس "تنويعاً حقيقياً". الفرق بين المصطلحين هائل: التنويع الحقيقي يعني بناء قدرات صناعية متكاملة بديلة داخل أوروبا أو مع حلفاء يمتلكون جميع الحلقات، بينما الاستبدال الجزئي يعني ببساطة نقل عقد التبعية من الموردين القدامى إلى آخرين جدد، مع بقاء الجوهر الاستخراجي كما هو. وهذا ما تؤكده عدة حقائق:
- من بين 13 مشروعاً استراتيجياً الخارجية التي اعتمدتها المفوضية، تسعة فقط مشاريع استخراجية؛ لا تتجاوز فيها الشراكة مرحلة تصدير الخام.
- العلاقة مع أفريقيا ما زالت تخضع لمعاهدات "الاستخراج" القديمة بدلاً من التكامل الصناعي المتكافئ.
- أوروبا لا تمتلك المنشآت الصناعية الضخمة لتحويل الخام إلى معادن عالية النقاء بالقدر الذي يمثل تحولاً حقيقياً، مما يبقي تبعيتها جاثمة.
- في أمريكا اللاتينية، رغم كل الخطاب عن "القيمة المضافة"، تشير الاتفاقيات الموقعة إلى أن نقل التكنولوجيا الحقيقي لا يزال محدوداً في غياب إرادة أوروبية لنقل الأسرار الصناعية الحساسة.
هذا التقييم لا ينفي أن هناك حركة حقيقية نحو كسر الهيمنة الصينية. إن إقامة صناعات تكرير أوروبية في دول أفريقية أو أمريكية لاتينية هو بحد ذاته خطوة نحو التنويع على المدى الطويل. غير أن الواقع الحالي يظهر أن هذه الخطوات لم تصل بعد إلى مرحلة تحويل الهيكل الكلي لصناعة المعادن العالمية. التبعية تغيّرت شكلها ولكنها لم تختف؛ لقد انتقلت التبعية من مورد إلى آخر، بدلاً من أن تنهار تماماً.
الخلاصة
في الختام، بينت هذه الورقة أن تسارع أوروبا نحو بناء تحالفات مع أفريقيا وأمريكا اللاتينية في قطاع المواد الخام الحرجة يُمثل نقلة نوعية في السياسة الخارجية الأوروبية، لكنها لم ترق بعد إلى مستوى "التحول الثوري" المطلوب. الاستراتيجية الأوروبية لا تزال تعاني من تناقض أساسي: التركيز المفرط على الاستخراح وتحسين ظروف التعاقد مع الدول المنتجة، مقابل الجمود في نقل مراكز التكرير الصناعي التي مازالت تحتكرها الصين والقوى الآسيوية الأخرى.
يوصي الباحثون في هذا السياق بتغيير جوهري في المنطق: يجب أن تنتقل أوروبا من دبلوماسية "التنويع" إلى دبلوماسية "الاكتفاء الصناعي المشترك" ، حيث لا تكون العلاقة مع أفريقيا وأمريكا اللاتينية مجرد علاقات تبادل خام، بل علاقات بناء "قدرات تكرير أوروبية-أفريقية مشتركة" . هذا هو السبيل الوحيد لتحقيق استقلالية استراتيجية حقيقية في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية.
المراجع:
مركز الجزيرة للدراسات. (2025). إفريقيا وسط ديناميكيات الصراع الدولي حول المعادن الإستراتيجية. الدوحة، قطر.
الاتحاد الأوروبي، المفوضية الأوروبية. (2025). قائمة المشاريع الاستراتيجية في دول ثالثة لتأمين المواد الخام. بروكسل، بلجيكا.
