البريكست ومستقبل العلاقة البريطانية مع الاتحاد الأوروبي
فرع القاهرة

دخلت العلاقة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي مرحلة جديدة من إعادة التقييم السياسي والاقتصادي بعد مرور عقد تقريباً على الاستفتاء الذي أفضى إلى قرار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016، ثم تنفيذ الخروج رسمياً في عام 2020، وبدء تطبيق اتفاقية التجارة والتعاون بين الطرفين في عام 2021 وعلى الرغم من أن البريكست مثّل في بدايته مشروعاً سياسياً يقوم على استعادة الصلاحيات الوطنية في مجالات التشريع والتجارة والهجرة، فإن التجربة اللاحقة أعادت طرح تساؤلات متزايدة حول العلاقة بين الاستقلال التنظيمي من جهة، والقدرة على تحقيق النمو الاقتصادي والاستفادة من أكبر سوق تجارية قريبة من بريطانيا من جهة أخرى وفي هذا السياق، اكتسبت تصريحات رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في مؤتمر حزب العمال بمدينة ليفربول خلال سبتمبر 2026 أهمية خاصة، بعدما أكد أن البريكست ألحق ببريطانيا أضراراً تفوق منافعه، وأن الوضع الحالي للعلاقة مع الاتحاد الأوروبي لا يمثل، في تقديره أساساً كافياً لتحقيق مستويات أعلى من النمو والازدهار على المدى الطويل.

البريكست ومفهوم السيطرة البريطانية

شكّل مفهوم استعادة السيطرة" أحد المحاور الأساسية للحملة المؤيدة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، حيث ارتبطت فكرة البريكست باستعادة صلاحيات اتخاذ القرار في مجالات التشريع والتجارة والهجرة والسياسة الاقتصادية وقد منح الانسحاب المملكة المتحدة بالفعل مساحة أكبر لاتخاذ قرارات مستقلة في عدد من هذه المجالات غير أن التجربة العملية أظهرت أن الاستقلال القانوني في صناعة القواعد لا يعني بالضرورة التحرر الكامل من تأثير القواعد الخارجية ويرتبط ذلك بصورة أساسية بالمكانة التي يحتلها الاتحاد الأوروبي باعتباره أحد أكبر الشركاء التجاريين للمملكة المتحدة، وما يترتب على ذلك من استمرار حاجة الشركات البريطانية إلى التعامل مع القواعد والمعايير الأوروبية عند تصدير منتجاتها إلى السوق الأوروبية.

وتظهر هنا مفارقة أساسية في تجربة ما بعد البريكست فالدولة تستطيع أن تمتلك حرية أكبر في صياغة قواعدها الداخلية، لكنها قد تواجه في الوقت ذاته تكلفة إضافية عندما تحاول شركاتها النفاذ إلى سوق تعتمد قواعد مختلفة ويؤدي ذلك إلى إعادة صياغة مفهوم السيطرة ذاته، بحيث لا يصبح مقتصراً على القدرة القانونية على اتخاذ القرار، وإنما يشمل أيضاً قدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق أهدافه التجارية والاستثمارية في بيئة دولية مترابطة ومن هذه الزاوية، يمكن فهم تصريحات بيرنهام باعتبارها محاولة لنقل النقاش من سؤال "من يضع القواعد؟" إلى سؤال أكثر اتساعاً يتعلق بمدى قدرة بريطانيا على التأثير في البيئة الاقتصادية التي تعتمد عليها.

وقد عززت التطورات التجارية أهمية هذا النقاش. فالعلاقة الحالية تقوم بصورة رئيسية على اتفاقية التجارة والتعاون التي دخلت حيز التنفيذ في بداية عام 2021، وهي اتفاقية توفر إطاراً واسعاً للتجارة بين الطرفين، لكنها لا تعيد بريطانيا إلى مستويات التكامل التي كانت قائمة خلال عضويتها في الاتحاد الأوروبي وبذلك أصبحت بعض الشركات البريطانية تواجه إجراءات ومتطلبات إضافية مرتبطة بالتجارة عبر الحدود، وهو ما يمكن أن يزيد تكاليف التعامل مع السوق الأوروبية، خصوصاً بالنسبة إلى القطاعات التي تعتمد على سلاسل توريد عابرة للحدود.

ويشير مكتب مسؤولية الموازنة البريطاني في تحديثه لعام 2026 إلى أن العلاقة التجارية الحالية بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، وفق افتراضاته، تؤدي على المدى الطويل إلى خفض الإنتاجية المحتملة بنحو 4% مقارنة بالسيناريو الافتراضي لبقاء بريطانيا داخل الاتحاد ويؤكد المكتب أن هذا التقدير ليس انخفاضاً سنوياً في الناتج، وإنما يمثل فرقاً في مستوى الإنتاجية على المدى الطويل بين مسارين اقتصاديين افتراضيين. كما تستند تقديراته إلى أثر ارتفاع الحواجز غير الجمركية وانخفاض كثافة التجارة على كفاءة الاقتصاد والإنتاجية.

الحلول الجزئية لتكلفة البريكست 

يحتل الجانب الاقتصادي موقعاً مركزياً في إعادة تقييم تجربة البريكست، لأن العلاقة مع الاتحاد الأوروبي لا ترتبط بالتجارة وحدها، وإنما تمتد إلى الاستثمار والإنتاجية وسلاسل الإمداد وقدرة الشركات البريطانية على المنافسة وقد افترض مكتب مسؤولية الموازنة منذ سنوات أن خروج بريطانيا من الاتحاد سيؤدي إلى تراجع طويل الأجل في حجم الواردات والصادرات مقارنة بسيناريو البقاء، مع ارتباط ذلك بتراجع كثافة التجارة وانعكاساته على الإنتاجية وفي أحدث تحديثاته لعام 2026 أبقى المكتب على تقدير انخفاض الإنتاجية طويلة الأجل بنسبة 4% مقارنة بسيناريو البقاء.

وتكمن أهمية الإنتاجية في أنها لا تمثل مؤشراً اقتصادياً مجرداً، بل ترتبط بقدرة الاقتصاد على زيادة الأجور وتحسين مستويات المعيشة ورفع الإيرادات العامة وتوفير الموارد اللازمة لتمويل الخدمات ومن ثم، فإن استمرار ارتفاع تكاليف التجارة أو انخفاض القدرة على الاستفادة من الأسواق الخارجية يمكن أن يؤثر بصورة غير مباشرة في السياسة المالية والاجتماعية، حتى وإن كان من الصعب فصل تأثير البريكست عن تأثيرات أخرى مثل التضخم والأزمات العالمية وتكاليف الطاقة وضعف الاستثمار والتغيرات في هيكل الاقتصاد الدولي.

وفي هذا الإطار، لا تبدو جميع خيارات التقارب مع الاتحاد الأوروبي متساوية من حيث النتائج والالتزامات فالانضمام إلى اتحاد جمركي يمكن أن يقلل بعض التعقيدات المتعلقة بقواعد المنشأ والتجارة في السلع، لكنه يعني في المقابل تقليص مساحة الاستقلال في السياسة الجمركية تجاه الدول الأخرى. أما العودة إلى السوق الموحدة فتمثل مستوى أعمق من التكامل، لأنها تتطلب تقارباً تنظيمياً واسعاً مع قواعد الاتحاد الأوروبي. وتختلف هذه الصيغة كذلك عن العضوية الكاملة، التي تعني العودة إلى المشاركة في مؤسسات الاتحاد الأوروبي وآليات صنع القرار الأوروبية.

 

السيادة بين المكاسب القانونية والنتائج العملية

تمثل الهجرة أحد أكثر الملفات حساسية في تقييم تجربة البريكست، لأنها كانت من أبرز القضايا التي ارتبطت بالدعوة إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي. فقد كان إنهاء حرية الحركة بين بريطانيا والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أحد النتائج الرئيسية للانفصال، ما منح لندن قدرة أكبر على وضع نظام مستقل للهجرة وتحديد شروط الدخول والإقامة والعمل غير أن هذا التغيير القانوني لم يؤدِ بصورة تلقائية إلى اختفاء الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالهجرة، كما لم ينهِ حاجة الاقتصاد البريطاني إلى العمالة الأجنبية في عدد من القطاعات.

وفي خطابه أمام مؤتمر حزب العمال، ربط بيرنهام بين فقدان التعاون مع الشركاء الأوروبيين وبين تراجع بعض جوانب القدرة على إدارة الهجرة، مشيراً إلى أن التعاون الأوروبي سيكون ضمن القضايا التي ستناقش في القمة البريطانية الأوروبية المقبلة. ويكشف ذلك عن تحول في طريقة تناول ملف الهجرة؛ فبدلاً من النظر إليه باعتباره قضية سيادية داخلية فقط، أصبح التعاون الدولي والإقليمي جزءاً من أدوات إدارة الملف.

ويستدعي ذلك التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة من "السيطرة على الهجرة". المستوى الأول قانوني، ويتمثل في امتلاك الدولة سلطة تحديد شروط الدخول والإقامة والمستوى الثاني إداري، ويتعلق بقدرة المؤسسات على تنفيذ القواعد ومراقبة الحدود وإدارة طلبات التأشيرات واللجوء. أما المستوى الثالث فهو اقتصادي واجتماعي، ويتعلق بمدى توافق مستويات الهجرة مع احتياجات سوق العمل والخدمات العامة والإسكان ومن الممكن أن تمتلك الدولة مستوى مرتفعاً من السيطرة القانونية، لكنها تواجه في الوقت ذاته تحديات في المستويين الإداري والاقتصادي.

كما أن إنهاء حرية الحركة الأوروبية لم يؤدِ إلى إنهاء الهجرة بصورة عامة، وإنما غيّر تركيبتها ومصادرها وقواعدها وهذا يوضح أن العلاقة بين البريكست والهجرة أكثر تعقيداً من اختزالها في سؤال حول ارتفاع أو انخفاض أعداد المهاجرين. فسياسات التأشيرات وقواعد العمل والدراسة واللجوء والتغيرات في سوق العمل العالمي كلها عوامل تؤثر في التدفقات ولذلك فإن تقييم أثر البريكست على الهجرة يحتاج إلى النظر إلى الفترة الزمنية كاملة، وليس إلى سنة واحدة أو مؤشر منفرد.

ومن الناحية السياسية، تكشف قضية الهجرة عن أحد التحديات الأساسية التي تواجه أي محاولة لإعادة التقارب مع الاتحاد الأوروبي. فإذا ارتبطت السوق الموحدة أو أي صيغة أخرى بدرجة من حرية الحركة أو التزامات تتعلق بحقوق مواطني الاتحاد، فقد تعود القضية إلى صدارة النقاش الداخلي. ولهذا فإن أي تفاوض مستقبلي لن يكون اقتصادياً فقط، بل سيحتاج إلى معالجة العلاقة بين متطلبات التجارة واعتبارات السيادة والهجرة.

مستقبل العلاقة البريطانية الأوروبية

يمثل قرار بيرنهام فتح النقاش حول مستقبل العلاقة مع الاتحاد الأوروبي تحولاً سياسياً مهماً، ليس لأنه يعني حسم الاتجاه نحو إعادة الانضمام وإنما لأنه أخرج عدداً من الخيارات التي كانت مستبعدة سياسياً من نطاق النقاش الرسمي وقد أشار بيرنهام إلى إمكانية دراسة البقاء على الوضع الراهن، والاتحاد الجمركي، والسوق الموحدة، وحتى إعادة الانضمام الكامل إلى الاتحاد الأوروبي، مع التأكيد على ضرورة تقييم ما هو قابل للتنفيذ ومقارنة إيجابيات وسلبيات كل خيار.

ويأتي ذلك في سياق إعلان الحكومة البريطانية نيتها استغلال القمة البريطانية الأوروبية المقررة لاحقاً في عام 2026 لبحث المسارات طويلة الأجل للعلاقة بين الطرفين وقد أكدت تصريحات بيرنهام أن الهدف لا يقتصر على معالجة مشكلات محددة في الاتفاقات الحالية، وإنما يتعلق بتحديد إطار أكثر وضوحاً للعلاقة المستقبلية.

ويواجه هذا التوجه، في المقابل، اعتراضات سياسية من القوى المؤيدة للبريكست، التي ترى أن إعادة فتح ملف العلاقة مع الاتحاد الأوروبي قد تعيد الانقسامات التي رافقت الاستفتاء وقد انتقدت قوى سياسية بريطانية هذا الاتجاه، محذرة من إعادة إشعال الجدل حول البريكست. وفي الوقت ذاته، فإن أطرافاً أوروبية أبدت انفتاحاً على فكرة التقارب مع تأكيد أن إعادة الانضمام الكامل ستكون مسألة مختلفة عن مجرد تعزيز التعاون وقد رحب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بإمكانية عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي، وهو ما يوضح وجود استعداد لدى بعض العواصم الأوروبية لمناقشة مستقبل أكثر تقارباً، مع بقاء التفاصيل السياسية والتفاوضية مفتوحة.

وتكمن الصعوبة الأساسية في أن العلاقة البريطانية الأوروبية لا يمكن إعادة تشكيلها من طرف واحد فبريطانيا تستطيع تحديد أهدافها التفاوضية، لكنها تحتاج إلى موافقة الاتحاد الأوروبي على أي تعديلات جوهرية في العلاقة. كما أن الدول الأعضاء نفسها لديها مصالح مختلفة في ملفات التجارة والطاقة والهجرة والخدمات المالية والصيد والأمن، وهو ما يجعل المفاوضات المحتملة متعددة المستويات.

ومن هنا، فإن نجاح أي مسار مستقبلي سيعتمد على القدرة على الانتقال من الشعارات السياسية العامة إلى ترتيبات محددة وقابلة للقياس. فإذا كان الهدف هو تعزيز التجارة ينبغي تحديد القطاعات التي تحتاج إلى إزالة الحواجز، ونوع الإجراءات المطلوبة والالتزامات المقابلة. وإذا كان الهدف هو العودة إلى السوق الموحدة، فإن الأمر سيتطلب تحديد القواعد التنظيمية التي ستلتزم بها بريطانيا وآليات تطبيقها أما إذا طُرحت العضوية الكاملة، فإن طبيعة المفاوضات ستكون أوسع بكثير وستتضمن قضايا مؤسسية وسياسية ومالية.

ويكتسب عامل الثقة أهمية خاصة في هذا السياق. فقد شهدت العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي توترات متكررة منذ الاستفتاء، ولذلك فإن إعادة بناء علاقة مستقرة ستحتاج إلى التزامات طويلة الأجل وقدر من الاستمرارية السياسية كما أن الشركات تحتاج إلى بيئة مستقرة تمكنها من اتخاذ قرارات الاستثمار، بينما تحتاج المؤسسات الأوروبية إلى ضمان أن الالتزامات التي يتم الاتفاق عليها لن تتغير مع كل دورة سياسية بريطانية.

خاتماً: تكشف التطورات الأخيرة في بريطانيا عن انتقال النقاش حول البريكست من مرحلة الدفاع عن نتائج الخروج أو رفضها إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتمثل في تقييم النموذج الذي ينبغي أن يحكم العلاقة مع الاتحاد الأوروبي خلال العقود المقبلة. وقد أعادت تصريحات آندي بيرنهام في مؤتمر حزب العمال فتح مجموعة واسعة من الخيارات، بدءاً من الإبقاء على الترتيبات الحالية، مروراً بالاتحاد الجمركي والسوق الموحدة، وصولاً إلى احتمال إعادة الانضمام الكامل إلى الاتحاد الأوروبي. ولا يعني طرح هذه الخيارات اتخاذ قرار بالعودة، وإنما يعكس استعداداً سياسياً لإعادة النظر في العلاقة على أساس المصالح الاقتصادية والاستراتيجية طويلة الأجل.

أما ملف الهجرة، فيوضح أن السيادة القانونية لا تعني بالضرورة القدرة الكاملة على التحكم في النتائج الاقتصادية والاجتماعية فقد أتاحت بريطانيا لنفسها بعد البريكست قدرة أكبر على وضع قواعد الهجرة، لكنها لا تزال بحاجة إلى العمالة الأجنبية والتعاون الدولي في إدارة الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية وتنظيم حركة الأشخاص ومن ثم، فإن إعادة التقارب مع أوروبا قد تعيد صياغة العلاقة بين التجارة والهجرة، لكنها لن تعيد بالضرورة إنتاج ترتيبات ما قبل البريكست بصورة مطابقة.

 

المصدر: المركز الدولى للدراسات الاستراتيجية

التاريخ : 1/10/2026

----------------------------------------------------------------------------------------

المصدر: العربية.نت

التاريخ : 30/9/2026


المقالات الأخيرة