تراجع دور الاتحاد الأفريقي

من الواضح أن الاتحاد الأفريقي وهو يدخل عامه الثاني والعشرين لم يكن على مستوى التوقعات، ويبدو أنه يُعيد إلى الأذهان نقاط ضعف منظمة الوحدة الأفريقية نفسها التي حل محلها عام 2002. وتتجلى نقاط ضعف الاتحاد الأفريقي في فشله في تحقيق مبادرة "إسكات البنادق" عام 2020، وكذلك التعامل مع الأزمات الأخيرة، بما في ذلك الصراعات العنيفة في السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والتمرد في شمال موزمبيق، والانقلابات في مالي وبوركينافاسو والنيجر وغينيا والجابون. وبالفعل، واجه الاتحاد الأفريقي قدراً كبيراً من الانتقادات والاتهامات بعدم الفاعلية، ولا سيما في السنوات الأخيرة، وكان بعضها مصدره من داخل المنظمة ذاتها. ففي أعقاب قمة الاتحاد الأفريقي في فبراير 2024، أعرب موسى فكي محمد، رئيس المفوضية، عن إحباطه بشأن فاعلية المنظمة. وباعتباره الجهاز التنفيذي المسؤول عن الإشراف على العمليات اليومية للاتحاد الأفريقي، أعرب محمد عن أسفه لتدخل الدول الأعضاء الذي يعيق قدرة المفوضية على الوفاء بالمهام المسندة إليها، مستشهداً بإحصائية صارخة، إذ إنه على مدى السنوات الثلاث الماضية (2021-2023)، لم يتم تنفيذ 93% من قرارات الاتحاد الأفريقي. ويبدو هنا أن بيت القصيد بالنسبة للبلدان الأفريقية يتمثل في المقايضة بين الوحدة الأفريقية بمفهومها الاندماجي بمعنى إنشاء هيئة قارية قوية على غرار الوحدة الأوروبية، أو التكامل الإقليمي الذي يضمن حق السيادة القطرية، مع تفضيل الخيار الأخير عادة.

ويحاول هذا التحليل البحث فيما يمكن أن نطلق عليه "فخ عدم الفاعلية" الذي يكرر نقاط الضعف نفسها التي عانت منها منظمة الوحدة الأفريقية من قبل، وسبل التغلب على التحديات التي تعترض سبل إصلاح الاتحاد الأفريقي.

 

 

قيود متعددة

يعاني الاتحاد الأفريقي من العديد من أوجه القصور الهيكلية والقيود المؤسسية، مما يعيق فاعليته في تحقيق أهدافه. وتتمثل أهم التحديات التي يواجهها الاتحاد الأفريقي فيما يلي:

1- إحجام الدول عن التخلي عن صلاحيات كبيرة لأجهزة الاتحاد: أحد التحديات الرئيسة لفاعلية الاتحاد الأفريقي تتعلق بإحجام الدول الأعضاء عن التخلي عن صلاحيات كبيرة لأجهزة الاتحاد الأفريقي. على سبيل المثال، في حين تم إنشاء برلمان عموم أفريقيا ليكون بمثابة هيئة تشريعية للقارة، فإن سلطته تقتصر على وضع "قوانين نموذجية" تفتقر إلى القوة الملزمة، وهذا يعني أن الدول الأعضاء ليست ملزمة باعتماد أو الالتزام بالتشريعات التي يقترحها البرلمان. وعلى نحو مماثل، تفتقر مفوضية الاتحاد الأفريقي إلى القدرة على فرض قراراتها على الدول الأعضاء، مما يقوض فاعليتها في تنفيذ السياسات والمبادرات القارية.

2- تأثير مخاوف الدول بشأن السيادة والمصالح الوطنية: هذا التردد في منح صلاحيات فوق وطنية غالباً ما يكون متجذراً بسبب المخاوف بشأن السيادة والمصالح الوطنية. ومن الجلي أن الدول الأعضاء لا ترغب في التنازل عن سلطتها للمؤسسات القارية خوفاً من فقدان السيطرة والتدخل في شؤونها الداخلية. على سبيل المثال، قد تقاوم البلدان الجهود الرامية إلى وضع سياسات أو تنظيمات مشتركة إذا اعتقدت أن ذلك قد يؤدي إلى تقويض قدرتها التنافسية الاقتصادية أو استقلالها السياسي. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للمنافسات والصراعات التاريخية بين الدول الأعضاء أن تزيد من تعقيد الجهود الرامية إلى تعزيز التكامل القاري وفقاً لمفاهيم "البان أفريكانزم".

3- معضلة مصادر التمويل لأجهزة الاتحاد: لقد تحولت المفوضية العامة للاتحاد الأفريقي إلى الشكل نفسه الذي كانت عليه الأمانة العامة لمنظمة الوحدة الأفريقية؛ حيث أضحت مجرد جهاز بيروقراطي يقوم بمهام مكتبية. إنها ببساطة لا تستطيع تنفيذ قرارات الاتحاد الأفريقي؛ حيث تفتقر إلى السلطات المؤسسية المطلوبة والموارد البشرية والمالية والمادية، وذلك لأن الدول الأعضاء رفضت منحها الاستقلالية اللازمة لأداء وظائفها. ومن الأمثلة الدالة على ذلك مماطلة البلدان في تبني التوصيات التي تتناول مصادر التمويل المستقلة، وهو ما من شأنه أن يقلل من اعتماد مفوضية الاتحاد الأفريقي على مساهمات الدول والتبرعات من شركاء التنمية. ولعل ذلك يذكرنا بنفس خبرة الأمانة العامة لمنظمة الوحدة الأفريقية؛ حيث اعتمدت بشكل كامل على الدول (والقوى الخارجية) للتمويل والتوظيف والمهام الأساسية الأخرى، ولم تدفع العديد من الدول مساهماتها السنوية، مما جعل المنظمة عاجزة على نحو متزايد.

4- ضعف القيادة والحوكمة: يساهم ضعف القيادة والحوكمة داخل الاتحاد الأفريقي في عدم فاعليته. ففي حين أن رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي مكلف بقيادة المنظمة، فإن قدرته على إحداث تغيير حقيقي غالباً ما تكون مقيدة بسبب عدم الكفاءة البيروقراطية، والاقتتال السياسي الداخلي، والموارد المحدودة. على سبيل المثال، خلال الأزمات مثل الصراع في منطقة تيجراي بإثيوبيا، واجه الاتحاد الأفريقي صعوبة في الاستجابة بفاعلية بسبب الانقسامات الداخلية أو التحديات الدبلوماسية بين الدول الأعضاء.

ربما يكون من السهولة بمكان قيام الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي والشركاء الدوليين بإلقاء اللوم على أداء مفوضية الاتحاد الأفريقي، ولا سيما السمات القيادية لرئيس المفوضية؛ بيد أن إلقاء اللوم على الرئيس يعني تجاهل أوجه القصور الهيكلية العميقة الجذور في المنظمة. ومن دون معالجة هذه المشاكل البنيوية، فإن أي شخص يتم انتخابه عندما تنتهي ولاية محمد في فبراير 2025، سوف يقع في فخ عدم الكفاءة نفسه. وحتى الآن، أعرب مرشحان من شرق أفريقيا عن اهتمامهما بالمقعد، بما في ذلك زعيم المعارضة الكينية رايلا أودينجا، ووزيرة الخارجية الصومالية السابقة فوزية آدم.

 

5- عدم فاعلية مبادرات التكامل الاقتصادي: لقد واجه الاتحاد الأفريقي خيبات أمل كبيرة، لا سيما في جهوده الرامية إلى تحقيق التكامل الاقتصادي الإقليمي والتنمية الاجتماعية والاقتصادية. وعلى الرغم من المبادرات الطموحة مثل الشراكة الجديدة من أجل تنمية أفريقيا (نيباد)، التي تهدف إلى تعزيز النمو الاقتصادي المستدام والقضاء على الفقر، فإن التقدم في التنمية الاقتصادية يظل بعيد المنال. وقد تم توجيه الانتقادات إلى الاتحاد الأفريقي بسبب افتقاره إلى التشاور مع أصحاب المصلحة في المجتمع المدني، الأمر الذي يمكن أن يعزز المساءلة ويعزز الشعور بالملكية بين المواطنين.

إن عجز الاتحاد الأفريقي عن التنفيذ الفعال لإطار التنمية الاقتصادية الخاص به يشكل عقبة كبيرة أمام تحقيق أهدافه. وهذا مثير للقلق بشكل خاص نظراً لانخفاض مستوى التجارة البينية الأفريقية، والتي لا تتجاوز 15% من إجمالي التجارة، وهو ما يتناقض بشكل حاد مع مناطق أخرى مثل أوروبا وأمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية. إن زيادة التجارة البينية الأفريقية لديها القدرة على تحفيز التصنيع، وتقليل الاعتماد على الموارد الطبيعية، وتوسيع السوق الأفريقية، مما يسلط الضوء على أهمية التكامل الإقليمي للنمو الاقتصادي والتنمية في القارة.

6- غموض العلاقة مع الجماعات الاقتصادية الإقليمية: لا يزال تقسيم العمل بين الاتحاد الأفريقي والجماعات الاقتصادية الإقليمية الثماني المعترف بها رسمياً غير واضح. ومن المعروف أن العلاقة بين الطرفين تقوم على مبدأين، هما: التبعية، حيث كلما أمكن يأخذ المستوى الإقليمي زمام المبادرة. والميزة النسبية، حيث تقود المؤسسة الأكثر تجهيزاً بالتعامل مع الموقف. وقد أشار تقرير صدر عام 2017 عن عمليات الاتحاد الأفريقي إلى أن تقسيم العمل بين الاتحاد والمجتمعات الإقليمية كان "غير واضح"، وقد أدى ذلك إلى ازدواجية الأدوار، وعدم وجود حدود واضحة. وبالفعل، تم اعتماد بروتوكول جديد بشأن العلاقة بين الاتحاد الأفريقي والكتل الاقتصادية الإقليمية في عام 2020، لكن تفاصيله لم يتم الانتهاء منها بعد.

ولعل أحد التحديات الرئيسة التي تواجه التكامل الاقتصادي الإقليمي في أفريقيا هو التفاوت الصارخ بين الطموح والواقع. وعلى الرغم من الأهداف النبيلة التي حددتها خطط التكامل، مثل الشراكة الجديدة من أجل تنمية أفريقيا (نيباد)، فإن النتائج المرجوة، مثل التحول الاقتصادي وتخفيف حدة الفقر، ظلت بعيدة المنال. وتسلط هذه الفجوة الضوء على تعقيد ترجمة التطلعات النظرية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع. علاوة على ذلك، فإن جهود التكامل في أفريقيا يعوقها عدد لا يحصى من التحديات الهيكلية والمؤسسية.

ويشكل التشتت بين المنظمات دون الإقليمية، والمصالح الوطنية المتضاربة، والقدرة المؤسسية المحدودة، عقبات كبيرة أمام التكامل الفعال. أضف إلى ذلك، فإن عدم الاستقرار السياسي، وضعف الإدارة، وعدم كفاية البنية التحتية؛ تعمل على المزيد من عرقلة التقدم نحو أهداف التكامل. ومن جهة أخرى، تواجه مبادرات التكامل في أفريقيا ضغوطاً وقيوداً خارجية. غالباً ما تشكل الديناميكيات الاقتصادية العالمية، مثل السياسات التجارية وتدفقات الاستثمار، مسار جهود التكامل الإقليمي. علاوة على ذلك، فإن تهميش القارة في الشؤون العالمية يعمل على تقويض قدرتها على التفاوض على شروط مواتية وتعزيز الشراكات الدولية من أجل التكامل.

محاولات الإصلاح

كان إصلاح الاتحاد الأفريقي ضرورة ملحة على المدى الطويل، وقد اعترف بها القادة الأفارقة في عام 2016 تحت قيادة الرئيس الرواندي بول كاغامي. وتهدف مبادرة الإصلاح التي رفعها كاغامي، إلى تعزيز الكفاءة التشغيلية والتمويل المستدام وإشراك المواطنين، من خلال إعادة تنظيم مؤسسات الاتحاد الأفريقي لخدمة احتياجات القارة بشكل أفضل. منذ بدء تنفيذ خطة الإصلاح في عام 2018، تم إحراز تقدم ملحوظ، بما في ذلك تعيين فريق إداري جديد، وخفض عدد إدارات مفوضية الاتحاد الأفريقي، والتركيز على النوع الاجتماعي والتمثيل الإقليمي، وإدخال نظام التوظيف على أساس الجدارة. بالإضافة إلى ذلك، شهد إنشاء صندوق السلام التابع للاتحاد الأفريقي، وهو أداة التمويل الرئيسة لأنشطة السلام والأمن، خطوات كبيرة، حيث تم جمع 384 مليون دولار، معظمها من الدول الأعضاء.

ومع ذلك فإن التحديات لا تزال قائمة، وهي تنبع في المقام الأول من مقاومة الدول الأعضاء التخلي عن سيادتها والتكاليف الباهظة لعملية الإصلاح، والتي أعاقت التقدم على عدة جبهات. ويؤكد التأخير في التنفيذ والصراعات حول الإصلاحات، مثل إعادة هيكلة إدارات الاتحاد الأفريقي، على التعقيدات التي ينطوي عليها الأمر. علاوة على ذلك، يواصل الاتحاد الأفريقي صراعه مع قضايا الميزانية المزمنة والاعتماد المفرط على التمويل الخارجي، مما يقوض استقلاله المالي وملكية البرامج.

 ولعل النتيجة الماثلة للعيان هي أن مشاريع التحول والإصلاح التي لا نهاية لها منذ عام 2003 أدت إلى جعل مفوضية الاتحاد الأفريقي أكثر ارتباكاً وأقل إنتاجية وهشاشة. لقد تم تقليص المفوضية إلى مجرد أمانة، على غرار منظمة الوحدة الأفريقية. ومع ذلك، من المتوقع أن تقود مفوضية الاتحاد الأفريقي أهداف أجندة أفريقيا الطموحة لعام 2063، وأن تخدم 55 دولة يبلغ عدد سكانها حوالي 1.4 مليار نسمة.

البحث عن بديل

إزاء كل هذه التحديات هل يمكن للأفارقة العيش بدون الاتحاد الأفريقي؟ الإجابة بالقطع لا. لقد حقق الاتحاد الأفريقي (الذي يتكون من 55 دولة عضواً) تقدماً كبيراً في دمج دول القارة ومنحها صوتاً في السياسة العالمية. تمثل ذلك في قبول عضويته الدائمة في مجموعة العشرين عام 2023. وعلى مدى العقدين الماضيين، طور الاتحاد سياسات ذات معنى بشأن السلام والأمن والتجارة، مثل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية. كما تساعد مفوضية الاتحاد الأفريقي في وضع جدول الأعمال وتمثيل المصالح الأفريقية في المنتديات العالمية إلى جانب شركاء مهمين مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. لكن لا يزال أمام الاتحاد الأفريقي طريق طويل لتحقيق الأهداف السياسية والاقتصادية والثقافية المنصوص عليها في أجندة 2063، التي تم تبنيها في عام 2013. ولمواجهة هذه التحديات وتعزيز الاتحاد الأفريقي، تم اقتراح العديد من الإصلاحات والمبادرات. على سبيل المثال، تحدد أجندة مفوضية الاتحاد الأفريقي لعام 2063 رؤية طويلة المدى للتنمية والتكامل في أفريقيا، مع التركيز على الحاجة إلى تحسين الحكم والنمو الاقتصادي والتعاون الإقليمي. بالإضافة إلى ذلك، تهدف الجهود المبذولة لتعزيز الاستقلال المالي للاتحاد الأفريقي، مثل إدخال آلية التمويل الذاتي، إلى تقليل الاعتماد على الجهات المانحة الخارجية وزيادة استقلالية المنظمة.

ختاماً: إن تحقيق تقدم ملموس يتطلب عملاً جماعياً والتزاماً من جانب الدول الأعضاء. على سبيل المثال، تستطيع الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي تمكين البرلمان الأفريقي من خلال منحه السلطة التشريعية، وتعزيز قدر أكبر من المساءلة والشفافية في عملياته. وعلى نحو مماثل، من الممكن أن تساعد الجهود الرامية إلى تعزيز التكتلات الاقتصادية الإقليمية وتشجيع التعاون عبر الحدود في بناء الثقة والتعاون بين الدول الأعضاء، ووضع الأساس لتكامل قاري أعمق. وفي عموم الأمر، فإن معالجة نقاط الضعف التي يعاني منها الاتحاد الأفريقي وتعزيز فاعليته سوف تتطلب إرادة سياسية مستدامة، وإصلاحات مؤسسية، ومشاركة أكبر من قِبَل الدول الأعضاء والجهات الفاعلة في المجتمع المدني. ومن خلال التغلب على هذه التحديات، يستطيع الاتحاد الأفريقي أن يفي بتفويضه بشكل أفضل لتعزيز السلام والاستقرار والتنمية في جميع أنحاء القارة الأفريقية.

المراجع:

حمدي عبد الرحمن حسن، 17.4.2024، ملامح تراجع دور الاتحاد الأفريقي، انترريجانال للتحليلات الاستراتيجية .  

منى عبدالفتاح ،12.2.2024 ، فشل المنظمات الأفريقية في تسوية الأزمات هل يؤدي إلى تداعيها؟ ، أندبندنت عربية .

 

المقالات الأخيرة