الحماية الدولية للبيئة من ظاهرة الاحتباس الحراري في ضوء بروتوكول كيوتو
فرع بنغازي

تمثل حماية البيئة من أخطر التحديات التي تواجه المجتمع الدولي في القرن الحادي والعشرين، إذ أصبحت ظاهرة الاحتباس الحراري تهدد منظومات الحياة على الأرض بسبب تزايد انبعاثات الغازات الدفيئة الناتجة عن النشاط الصناعي والاستهلاك المفرط للوقود الأحفوري. أمام هذه التحديات، سعت الدول والمنظمات الدولية إلى تبني اتفاقيات وأطر قانونية تهدف إلى الحد من التغير المناخي، وكان من أبرزها بروتوكول كيوتو لعام 1997، الذي يعد أول اتفاق دولي ملزم لتقليص انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري.

أولًا: مفهوم ظاهرة الاحتباس الحراري وأسبابها

الاحتباس الحراري هو ارتفاع تدريجي في متوسط درجات حرارة الغلاف الجوي للأرض نتيجة زيادة تركيز غازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز. وتتمثل أسبابه الأساسية في:

1. الاعتماد المفرط على الوقود الأحفوري في الصناعة والطاقة والنقل؛
2. إزالة الغابات التي تقلل من قدرة الأرض على امتصاص ثاني أكسيد الكربون؛
3. التوسع الصناعي غير المستدام؛
4. النمو السكاني والاستهلاك المتزايد للطاقة.

وقد حذرت تقارير الأمم المتحدة من أن استمرار هذه الانبعاثات سيؤدي إلى ارتفاع حرارة الأرض بما يتجاوز 2درجة مئوية خلال هذا القرن، ما يسبب كوارث بيئية كذوبان الجليد وارتفاع مستوى البحار وتغير أنماط الأمطار.

ثانيًا: الإطار الدولي لحماية البيئة

بدأ الاهتمام الدولي بحماية البيئة منذ مؤتمر ستوكهولم عام 1972 الذي وضع المبادئ الأولى للبيئة والتنمية، تلاه مؤتمر ريو دي جانيرو عام 1992 الذي أسس لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC). وقد نصت الاتفاقية على التزام الدول بخفض انبعاثاتها الطوعية، لكنها لم تحدد نسبًا أو آجالًا واضحة، مما جعل الحاجة ملحّة لإبرام بروتوكول أكثر إلزامية، وهو ما تحقق في بروتوكول كيوتو.

ثالثًا: بروتوكول كيوتو وأهدافه الأساسية

تم اعتماد بروتوكول كيوتو في 11 ديسمبر 1997 بمدينة كيوتو اليابانية ودخل حيز التنفيذ في فبراير 2005 بعد تصديق أكثر من 55 دولة تمثل 55% من الانبعاثات العالمية.

أهم أهداف البروتوكول تمثلت في:

1. خفض انبعاثات الغازات الدفيئة بمعدل 5.2% عن مستويات عام 1990 خلال الفترة 20082012؛
2. تحديد التزامات كمية ملزمة للدول الصناعية (المدرجة في المرفق الأول)، مع إعفاء الدول النامية مراعاة لظروفها الاقتصادية؛
3. إنشاء آليات مرنة تسمح للدول بالتعاون لتحقيق الأهداف بتكلفة أقل، وتشمل:

آلية التنمية النظيفة (CDM): تمكّن الدول الصناعية من الاستثمار في مشاريع صديقة للبيئة بالدول النامية مقابل أرصدة كربون؛

آلية التنفيذ المشترك (JI): لتبادل المشاريع البيئية بين الدول المتقدمة؛

نظام الاتجار في الانبعاثات (Emission Trading) الذي يسمح بشراء وبيع حصص الانبعاثات.

رابعًا: فعالية بروتوكول كيوتو والتحديات التي واجهته

على الرغم من الطابع الإلزامي للبروتوكول، إلا أن فعاليته واجهت تحديات متعددة، من أبرزها:

1. انسحاب بعض الدول الصناعية الكبرى مثل الولايات المتحدة التي رأت أن الالتزامات تضر باقتصادها؛
2. عدم شمول البروتوكول لجميع الدول المسببة للانبعاثات، خاصة الدول النامية ذات النمو الصناعي السريع مثل الصين والهند؛
3. ضعف آليات المراقبة والعقوبات في حال الإخلال بالالتزامات؛
4. القصور في نقل التكنولوجيا والتمويل للدول النامية لتنفيذ مشاريع الطاقة النظيفة.

ورغم هذه التحديات، يُحسب لبروتوكول كيوتو أنه أسّس لأول نظام عالمي للتجارة في الكربون، وأطلق حقبة جديدة من التعاون البيئي الدولي، ممهّدًا لاتفاق باريس عام 2015الذي اعتمد نهجًا أكثر شمولًا ومرونة.

خامسًا: الجهود العربية ضمن إطار بروتوكول كيوتو

شاركت العديد من الدول العربية في البروتوكول وسعت إلى إنشاء مشاريع ضمن آلية التنمية النظيفة، مثل مشاريع الطاقة الشمسية في مصر والمغرب، وتحسين كفاءة الوقود في الأردن وتونس، والحد من حرق الغاز في ليبيا والجزائر.

إلا أن ضعف الإمكانات التقنية والمالية حال دون تحقيق نتائج كبيرة، مما يستدعي تعزيز القدرات العربية في مجالات التمويل الأخضر والتكنولوجيا منخفضة الكربون.

سادسًا: نحو تعزيز الحماية الدولية للبيئة

يُعدّ بروتوكول كيوتو خطوة مهمة لكنها غير كافية. فالمرحلة القادمة تتطلب:

تفعيل آليات التمويل الدولي للدول النامية؛

إلزام جميع الدول بمستويات متناسبة من الخفض وفق قدراتها؛

توسيع استخدام الطاقات المتجددة؛

تشجيع البحث العلمي في تقنيات الكربون والاقتصاد الأخضر؛

إشراك المجتمع المدني والمنظمات الإقليمية في مراقبة التنفيذ.

الخاتمة

لقد مثّل بروتوكول كيوتو تجربة رائدة في العمل البيئي الدولي، إذ وضع الأساس القانوني والسياسي للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري، وأكد أن حماية البيئة مسؤولية جماعية تتجاوز الحدود الوطنية. غير أن التحديات القائمة تفرض ضرورة تطوير نظام عالمي أكثر عدالة وفعالية يأخذ في الاعتبار الفوارق بين الدول ويوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة. إن مستقبل كوكب الأرض مرهون بمدى التزام المجتمع الدولي بتعهداته واستعداده لتبني سياسات بيئية مستدامة تحفظ حق الأجيال القادمة في بيئة سليمة ومتوازنة.




المراجع

الدسوقي، أحمد عبد الحميد. (2017). القانون الدولي للبيئة: دراسة في الاتفاقيات الدولية لحماية البيئة. القاهرة: دار النهضة العربية.

الزين، عبد القادر محمد. (2020). الاحتباس الحراري والمسؤولية الدولية: دراسة تحليلية لبروتوكول كيوتو واتفاق باريس. عمان: دار وائل للنشر.

المقالات الأخيرة