شهدت الولايات المتحدة الأمريكية خلال العقدين الأخيرين ظهور جيل جديد يتميز بسمات ثقافية واجتماعية وسياسية تختلف عن الأجيال السابقة، ويعرف هذا الجيل باسم جيل Z، أي الأشخاص الذين وُلدوا تقريبًا بين منتصف التسعينيات وأوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. تركز كثير من الدراسات الأمريكية على تصوير هذا الجيل باعتباره الأكثر تقدمية وانفتاحًا على التعددية، والأقل ثقة بالمؤسسات التقليدية، والأكثر ميلاً للمطالبة بالحقوق الفردية والاجتماعية غير أن هذا التصوير، رغم أهميته، لا يكفي لفهم الموقع الفعلي لهذا الجيل داخل النظام السياسي الأمريكي، إذ تظهر الأدلة الأخيرة أن جيل Z ليس كتلة متجانسة، بل يتسم بانقسامات داخلية تتعلق بالنوع الاجتماعي، والمستوى التعليمي، والموقع الاجتماعي، والانتماء العرقي والإثني، فضلًا عن التفاوت في المشاركة السياسية والوعي بالقضايا العامة لذلك، تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الدور السياسي لجيل Z، واستكشاف أولوياته، وتموضعه الحزبي، وأنماط مشاركته، وتأثيره على السياسة الأمريكية الداخلية والخارجية، مع التركيز على القضايا التي تهم هذا الجيل وتُظهر الفجوات بينه وبين الأجيال الأكبر سنًا.
من "الجيل التقدمي" المنقسم
ركزت الأدبيات الأمريكية المبكرة على تصوير جيل Z باعتباره الجيل الأكثر تقدميّة وانفتاحًا على التعددية والاختلاف، مع ميل نحو دور الدولة في معالجة القضايا العامة، وانخفاض الالتزام بالمؤسسات التقليدية والهوية القومية القديمة وقد أدى هذا التصوير إلى تعزيز فكرة أن جيل Z يمثل قطيعة واضحة مع الأجيال الأكبر سنًا ويملك ميولًا ليبرالية عامة، وهو ما ساهم في صياغة خطاب إعلامي وبحثي عن "جيل تقدمي" جديد في السياسة الأمريكية.
لكن الدراسات اللاحقة أظهرت أن هذا التعميم يُبسط الواقع فداخل جيل Zتوجد انقسامات واضحة على أساس النوع الاجتماعي، والتعليم، والخلفية العرقية والإثنية، والموقع الاجتماعي، ودرجات الانخراط في المجال العام على سبيل المثال، تميل النساء الشابات وقطاعات من الشباب المهتم بالقضايا الحقوقية إلى التواجد في الصفوف الأمامية في التعبئة السياسية المرتبطة بالعدالة الاجتماعية، المناخ، والعنف المسلح، بينما يظل بعض الشباب الأقل اندماجًا في الجامعات أو البيئات التنظيمية أقل نشاطًا وتأثيرًا. علاوة على ذلك، تظهر الانقسامات الطبقية والعرقية والإثنية انعكاسًا مباشرًا على فهم القضايا العامة وموقع الشباب داخل الحزبين الرئيسيين، مما يوضح أن هذا الجيل ليس كتلة أيديولوجية موحدة، بل فضاء متعدد المستويات والاتجاهات.
أولويات جيل Z الحالية
تتميز أولويات جيل Z بأنها تربط بين القضايا الاقتصادية اليومية والقضايا الحقوقية، وهو نمط مختلف عن الأجيال الأكبر التي غالبًا ما تميز بين الاقتصاد والسياسات الاجتماعية فالاهتمام بالقدرة على السكن، وأسعار المعيشة، وصعوبة الاستقرار الوظيفي، وتراكم الديون، يُعتبر مدخلًا رئيسيًا لفهم السياسة بالنسبة إلى قطاعات واسعة من هذا الجيل. وفي الوقت ذاته، لا تقل أهمية القضايا الحقوقية مثل العدالة العرقية، المناخ، والحقوق الإنجابية. ويشير ذلك إلى أن جيل Z لا يرى تناقضًا بين الاهتمامات المعيشية والحقوقية، بل يدمجها في تصور شامل للعدالة والأمن والكرامة.
توضح الدراسات الحديثة أن الشباب يعالج القضايا الاقتصادية من منظور مباشر حول القدرة على المعيشة والاستقلال وبناء حياة مستقرة، وليس بالمعنى التقليدي للاقتصاد كما تتداخل هذه الأولويات مع مستوى الثقة في المؤسسات، إذ يعكس الاهتمام بقضية ما سؤالًا موازٍ عن مدى قدرة المؤسسات على معالجتها، مما يجعل فهم أولويات هذا الجيل مرتبطًا بفهم أزمة فاعلية النظام السياسي ذاته وبذلك، فإن جيل Z يقدم نموذجًا لجدول أولويات سياسي متكامل يجمع بين الفردي واليومي والمستقبلي، ويعكس دمجًا فريدًا بين القضايا الحقوقية والمادية في تصور واحد للسياسة.
التموضع الحزبي للشباب
تشير البيانات الانتخابية إلى ميل غالبية جيل Z نحو الحزب الديمقراطي، خاصة بين النساء الشابات والطلاب وقطاعات من الشباب غير البيض إلا أن هذا الميل لا يعكس اندماجًا مؤسسيًا كاملًا، بل يعبر عن تقارب في القضايا مثل المناخ، والحقوق الإنجابية، والعدالة العرقية، وتنظيم السلاح، ودور الدولة في الحد من اللامساواة. ويظهر جليًا أن هذا الميل يرتبط بدرجة الانخراط في البيئة الجامعية وشبكات التنظيم الطلابي، حيث تُعد هذه البيئات مساحة لتكوين الوعي والهوية السياسية بشكل أقوى من المؤسسات التقليدية.
أما الشباب الجمهوري، فيمثل تباينًا داخليًا يعكس تحولًا في الهوية المحافظة، إذ يركز على الاستقلال الفردي والسوق الحرة، ويعارض الهيمنة الليبرالية الثقافية، ويعيد صياغة مفهوم المحافظة بلغة أكثر هوياتية وثقافية ويبرز ذلك في نوعية الشخصيات المؤثرة، مثل تشارلي كيرك، التي تجذب الشباب الجمهوري من خلال خطاب مباشر وصدامي، مع التركيز على الجامعات والحروب الثقافية واستخدام الفضاء الرقمي للتعبئة. ومن ثم، يمثل جيل Z أداة لفهم إعادة ترتيب المشهد الحزبي الأمريكي على المستويين الديمقراطي والجمهوري، مع الحفاظ على خطوط التوتر الداخلية بين القرب من القضايا والتباعد المؤسسي.
المشاركة والسياسة الخارجية
يمثل جيل Z تحولًا في مفهوم المشاركة السياسية، إذ يمزج بين التصويت التقليدي، والنشاط الاحتجاجي، والتعبئة الرقمية، والعمل المرتبط بالقضايا النوعية ويظهر هذا بوضوح في ارتباط الشباب بالقضايا الأخلاقية والحقوقية، حيث يربطون بين التجربة اليومية والمشكلات المباشرة وبين الظلم وعدم المساواة في المجتمع، ما يجعل المشاركة وسيلة للتأثير الأخلاقي والعملي في الوقت ذاته.
كما يتضح التمايز الجيلي في السياسة الخارجية، لا سيما قضية إسرائيل/فلسطين والحرب على غزة، حيث يتبنى الشباب موقفًا أكثر نقدًا للحكومة الإسرائيلية وتعاطفًا مع الفلسطينيين، ويقرأ القضايا الخارجية من منظور العدالة وحقوق الإنسان، وهو تحول يبرز الفجوة بين جيل Z والأجيال الأكبر، خاصة داخل يسار الحزب الديمقراطي ومع أن السياسة الداخلية مثل الاقتصاد والسكن والمناخ تظل أكثر مركزية، فإن الانخراط في ملفات السياسة الخارجية يعكس قدرة الشباب على تحويل قضايا بعيدة إلى مساحة تعبئة سياسية متصلة بقيمهم ومبادئهم.
خاتماً: تؤكد الدراسة أن جيل Z ليس مجرد جيل جديد يدخل تدريجيًا النظام السياسي الأمريكي، بل هو فاعل مركزي يعيد تشكيل السياسة على أكثر من مستوى: أولويات القضايا، أنماط المشاركة، التموضع الحزبي، والنظرة للسياسة الخارجية. فالجمع بين القضايا المعيشية والحقوقية، واستخدام قنوات مشاركة جديدة، وإعادة قراءة الملفات الخارجية من منظور حقوقي، يعكس تحولًا أعمق في المشهد السياسي الأمريكي. وعليه، يمثل جيل Z مؤشرًا مبكرًا على التحولات الاجتماعية والسياسية المستقبلية، بما في ذلك تراجع الثقة بالمؤسسات، تصاعد السياسة القائمة على القضايا النوعية، وأهمية الهوية والقيم في الفعل السياسي، مع إعادة فتح أسئلة كانت مستقرة سابقًا في السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة.
المصدر: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية
الكاتب : د. دينا شحاتة
التاريخ : 4/4/2026
--------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: العين الإخبارية
التاريخ : 31/3/2026
