شهد العالم في العقدين الأخيرين تحولات سياسية عميقة، تمثلت أبرزها في صعود تيارات قومية وشعبوية في العديد من الدول، لا سيما في الغرب الذي كان يُعتبر المعقل الأساسي للقيم الليبرالية والعولمة. فبعد عقود من الهيمنة شبه المطلقة للخطاب الليبرالي الداعي إلى الانفتاح الاقتصادي، وتدفق رؤوس الأموال والبشر، وتآكل السيادة الوطنية لصالح المؤسسات فوق الوطنية، بدأت أصوات تتعالى منادية بالعودة إلى الجذور، وحماية الهوية، واستعادة السيادة، ورفض "النخب الفاسدة". لم تكن هذه الأصوات مجرد ردود فعل هامشية، بل تمكنت من الوصول إلى مراكز القرار في كبرى الاقتصادات العالمية، بدءًا من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (Brexit) مرورًا بانتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، وصولًا إلى المكاسب الانتخابية المتلاحقة لأحزاب اليمين المتطرف في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا ودول شمال أوروبا.
هذه الظاهرة، التي تجمع بين القومية بوصفها إيديولوجية تؤكد أولوية الأمة والهوية الوطنية، والشعبوية بوصفها خطابًا سياسيًا يقسم المجتمع إلى "شعب نقي" و"نخبة فاسدة"، تشكل تحديًا وجوديًا للنظام الليبرالي العالمي. فهي لا تكتفي بانتقاد سياسات بعينها، بل تستهدف الأسس الفكرية التي قامت عليها العولمة الليبرالية: فكرة الأسواق المفتوحة، حرية تنقل الأشخاص، تآكل السيادة الوطنية، والثقة في المؤسسات الدولية.
تسعى هذه الورقة إلى الإجابة عن السؤال الرئيس: ما الأسباب التي أدت إلى صعود التيارات القومية والشعبوية في العالم المعاصر، وكيف تشكل هذه التيارات تحديًا للعولمة الليبرالية؟ وللإجابة عن هذا السؤال، سيتم تناول الموضوع من خلال المحاور التالية: أولًا، تأطير مفاهيمي يوضح المقصود بالشعبوية والقومية والعولمة الليبرالية. ثانيًا، تحليل الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية لصعود هذه الظاهرة. ثالثًا، استعراض مظاهر هذا الصعود في كل من أوروبا والولايات المتحدة كنموذجين رئيسيين. رابعًا، تحليل العلاقة الجدلية بين الشعبوية القومية والعولمة الليبرالية. وأخيرًا، الخاتمة التي تتضمن أبرز النتائج والتوصيات.
أولاً: الإطار المفاهيمي: تفكيك المصطلحات الأساسية
قبل الخوض في تحليل الظاهرة، لا بد من توضيح المفاهيم المحورية التي يقوم عليها البحث، نظرًا لكثرة الالتباس حولها.
الشعبوية (Populism): تُعرِّف الأدبيات السياسية الشعبوية بأنها "إيديولوجية رقيقة" (thin-centered ideology)، على حد تعبير المفكر الهولندي كاس مودي، تقسم المجتمع إلى معسكرين متخاصمين: "الشعب النقي" في مواجهة "النخبة الفاسدة". وتزعم الشعبوية أن الإرادة العامة للشعب يجب أن تكون المصدر الأسمى للسلطة السياسية. من المهم التمييز هنا بين الشعبوية كأسلوب أو خطاب، وبين القومية كإيديولوجية أكثر ترسخًا. فالشعبوية يمكن أن تتخذ أشكالًا يمينية أو يسارية، ولكن في سياق هذه الورقة، فإن الشعبوية اليمينية هي التي تلتقي مع القومية في التأكيد على أولوية الأمة وحماية الهوية الثقافية والحدود.
القومية (Nationalism): تعبر القومية عن شعور بالانتماء إلى أمة مشتركة، تسعى إلى تحقيق السيادة والاستقلال السياسي. في سياق التحدي للعولمة، تظهر القومية في صورة "قومية دفاعية"، تسعى إلى حماية الاقتصاد الوطني من المنافسة الأجنبية، والحد من الهجرة للحفاظ على الهوية الثقافية، واستعادة السيادة التي تآكلت بفعل المؤسسات الدولية.
العولمة الليبرالية (Liberal Globalization): تشير إلى المشروع الاقتصادي والسياسي الذي هيمن على النظام العالمي منذ تسعينيات القرن العشرين، القائم على تحرير التجارة، وتدفق رؤوس الأموال، وإضعاف دور الدولة الوطنية لصالح السوق والمؤسسات فوق الوطنية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية. وقد صاحب هذا المشروع إيديولوجية تفترض أن الانفتاح الاقتصادي سيؤدي حتمًا إلى الازدهار والديمقراطية والسلام العالمي. غير أن النقاد يشيرون إلى أن العولمة الليبرالية أنشأت "مجتمعًا رأسماليًا على مستوى العالم لكن من دون روح التضامن والآليات السياسية التي تضبط نشاط هذا المجتمع".
ثانيًا: جذور الظاهرة: الأسباب والعوامل المفسرة
لا يمكن فهم صعود الشعبوية القومية بمعزل عن السياق الاقتصادي والاجتماعي الذي أنتجها. ويمكن حصر الأسباب في أربعة محاور رئيسية:
1. الأسباب الاقتصادية: تفاقم التفاوت و"الفائزون" و"الخاسرون" من العولمة
ربما كان السبب الأكثر جوهرية هو التفاوت الحاد في توزيع مكاسب العولمة. فبينما حققت الشركات متعددة الجنسيات والنخب المالية والطبقات العليا ثروات طائلة من انفتاح الأسواق، عانى قطاع كبير من الطبقات العاملة والوسطى في الدول الغربية من تآكل الأجور، وفقدان الوظائف نتيجة نقل الصناعات إلى الدول ذات الأجور المنخفضة، وتراجع الخدمات العامة بسبب سياسات الخصخصة. أدى هذا الانقسام بين "الفائزين" (الذين استفادوا من العولمة) و"الخاسرين" (الذين تحملوا تكاليفها) إلى خلق أرض خصبة للخطاب الشعبوي. هذه المجتمعات التي يوجد فيها "طلب كبير على الشعبوية" أصبحت تمثل أرضًا خصبة لظهور قادة يعدون باستعادة الكرامة الاقتصادية المفقودة.
2. الأسباب الاجتماعية والثقافية: الخوف من الهوية والهجرة
صاحبت العولمة الليبرالية موجات هجرة غير مسبوقة من الجنوب العالمي إلى الشمال الغني، سواء بدوافع اقتصادية أو هروبًا من الحروب والنزاعات. هذا التدفق السكاني، إلى جانب السياسات متعددة الثقافات (Multiculturalism)، ولّد شعورًا بالتهديد لدى قطاعات واسعة من المجتمعات المستقبلة، التي رأت في ذلك خطرًا على هويتها الثقافية وقيمها وتقاليدها. استغل الخطاب الشعبوي هذه المخاوف، وقدم المهاجرين والأقليات ككبش فداء لكل المشاكل، متهمًا إياهم بالاستفادة من الخدمات العامة على حساب "المواطنين الحقيقيين" وتهديد التماسك الاجتماعي.
3. الأسباب السياسية: أزمة التمثيل وفقدان الثقة في النخب والمؤسسات
شهدت الديمقراطيات الليبرالية أزمة ثقة عميقة في مؤسساتها ونخبها الحاكمة. تراجع دور الأحزاب التقليدية الكبرى، وفقدت النقابات العمالية والكنائس والجامعات قدرتها على تمثيل المواطنين، مما خلق فراغًا سياسيًا ملأته الحركات الشعبوية. في الوقت نفسه، نظر المواطنون إلى النخب السياسية والاقتصادية والإعلامية باعتبارها نخبًا منغلقة على نفسها، تخدم مصالحها الخاصة وتتجاهل معاناة "الناس العاديين". هذه النخب، وفقًا للخطاب الشعبوي، هي جزء من المؤسسة الفاسدة التي تآمرت مع العولمة لتصفير السيادة الوطنية.
4. الأسباب التكنولوجية والإعلامية: دور وسائل التواصل الاجتماعي
ساهمت ثورة الاتصالات ووسائل التواصل الاجتماعي في تسريع انتشار الخطاب الشعبوي. فقد أتاحت هذه الوسائل للقادة الشعبويين التواصل المباشر مع جماهيرهم، متجاوزين وسائل الإعلام التقليدية التي كانوا يتهمونها بالتحيز والفساد. كما ساعدت خوارزميات هذه المنصات في خلق "غرف صدى" (Echo Chambers) تعزز الآراء الموجودة مسبقًا وتعمق الانقسامات المجتمعية.
ثالثًا: مظاهر صعود الشعبوية القومية: دراسات حالة
تتخذ ظاهرة صعود الشعبوية القومية أشكالًا مختلفة باختلاف السياقات الوطنية، لكن يمكن تتبعها بوضوح في كل من أوروبا والولايات المتحدة.
1. أوروبا: زحف اليمين المتطرف إلى قلب المؤسسة
بعد عقود من وجود اليمين المتطرف على هامش السياسة الأوروبية، تمكنت أحزابه من تحقيق اختراقات كبيرة، بل وتصدرت المشهد السياسي في العديد من الدول. ففي فرنسا، أصبح حزب "التجمع الوطني" (RassemblementNational) بقيادة مارين لوبن قوة سياسية رئيسية، حصل على أكثر من ثلث الأصوات في الانتخابات الرئاسية. في ألمانيا، صعد حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD) ليصبح ثاني أكبر حزب في بعض الولايات. في إيطاليا، وصلت جورجيا ميلوني، زعيمة حزب "إخوة إيطاليا" (Fratellid'Italia) ذي الجذور ما بعد الفاشية، إلى رئاسة الوزراء. كما شهدت دول مثل السويد وفنلندا وهولندا والنمسا مكاسب مماثلة.
يمثل هذا الصعود تحديًا مباشرًا للمشروع الأوروبي الموحد، الذي تقوم فكرته على تجاوز السيادة الوطنية لصالح مؤسسات فوق وطنية. فالأحزاب الشعبوية الأوروبية تنادي بالعودة إلى العملة الوطنية، وإلغاء معاهدة شنغن، ورفض سياسات الهجرة التي تفرضها بروكسل، مما يهدد بتفكيك الاتحاد الأوروبي من الداخل.
2. الولايات المتحدة: "أمريكا أولًا" وسياسات العزلة التجارية
في الولايات المتحدة، مثلت رئاسة دونالد ترامب (2017-2021) التجسيد الأكثر وضوحًا للشعبوية القومية. حمل ترامب لواء "أمريكا أولًا" (America First) التي تعني تفضيل المصالح الأمريكية على أي اعتبارات دولية. على الصعيد الاقتصادي، انسحب من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ (TPP)، وأعاد التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (NAFTA)، وشن حربًا تجارية مع الصين، متهمًا إياها بسرقة الوظائف الأمريكية. لم تؤمن "الترامبية" بالعولمة، ووصفها ترامب بأنها "كارثة على الولايات المتحدة".
على صعيد السياسة الخارجية، انسحبت إدارته من الاتفاق النووي الإيراني، ومن اتفاقية باريس للمناخ، ومن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وهددت بانسحاب الولايات المتحدة من حلف الناتو. هذا النمط من السلوك، الذي يميل إلى العزلة وانتهاج السياسات التجارية الحمائية، أسس لنموذج جديد في العلاقات الدولية يتحدى مبادئ الليبرالية التي قادتها واشنطن لعقود.
رابعًا: العلاقة الجدلية: كيف تتحدى الشعبوية القومية العولمة الليبرالية؟
إن التحدي الذي تطرحه التيارات القومية والشعبوية لا يقتصر على مجرد نقد سياسات بعينها، بل يمتد إلى الأسس الفكرية للنظام الليبرالي العالمي، وذلك من خلال الآليات التالية:
أولًا: إعادة تأكيد السيادة الوطنية. العولمة الليبرالية بنيت على فكرة تآكل السيادة الوطنية لصالح الأسواق والمؤسسات فوق الوطنية. الشعبوية القومية تعكس هذه المعادلة، وتؤكد أن الدولة الوطنية هي الإطار الشرعي الوحيد لممارسة السياسة، وأن أي تنازل عن السيادة هو خيانة لمصالح الشعب.
ثانيًا: رفض التعددية والانفتاح. تقوم العولمة الليبرالية على مبدأ الانفتاح على الآخر، سواء في التجارة أو الثقافة أو الهجرة. في المقابل، تنادي الشعبوية القومية بحماية الحدود، ورفض "الاختلاط الثقافي"، والعودة إلى القيم والتقاليد الوطنية. هذا الرفض يظهر بوضوح في سياسات الحماية التجارية والقيود على الهجرة.
ثالثًا: إضعاف المؤسسات الدولية. المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية والمحكمة الجنائية الدولية كانت تمثل ركائز النظام الليبرالي. الشعبوية القومية تتعامل مع هذه المؤسسات بارتياب، وتتهمها بأنها أدوات بيد النخب العالمية للتآمر على السيادة الوطنية.
رابعًا: إعادة تعريف الديمقراطية. الديمقراطية الليبرالية تؤمن بفصل السلطات، واستقلال القضاء، وحرية الإعلام، وحماية حقوق الأقليات. الشعبوية تقدم نموذجًا بديلًا للديمقراطية، تقوم على "الإرادة العامة" للشعب، والتي قد تتعارض مع الضمانات المؤسسية والحقوق الفردية. هذا النموذج يهدد بتحويل الديمقراطية إلى "ديكتاتورية الأغلبية" تكرس الاستبداد باسم الشعب.
خامسًا: خلق بدائل اقتصادية. بدلًا من نموذج العولمة القائم على التكامل الاقتصادي وسلاسل التوريد العالمية، تتبنى التيارات الشعبوية سياسات الحماية الوطنية، ودعم المنتج المحلي، وإعادة توطين الصناعات، والانسحاب من الاتفاقيات التجارية متعددة الأطراف لصالح الاتفاقيات الثنائية التي تضمن المصلحة الوطنية.
الخاتمة
يُعد صعود التيارات القومية والشعبوية وتحديها للعولمة الليبرالية أحد أكثر التحولات السياسية عمقًا في بدايات القرن الحادي والعشرين. لم تكن هذه الظاهرة رد فعل عابرًا على أحداث استثنائية، بل جاءت كنتيجة حتمية لتراكمات اقتصادية واجتماعية وسياسية امتدت لعقود. العولمة الليبرالية، بنمطها الحالي، فشلت في تحقيق وعودها بالازدهار للجميع، وأدت إلى تفاقم التفاوت وخلقت "خاسرين" كثرًا وجدوا في الخطاب الشعبوي متنفسًا لتعبير عن إحباطهم وغضبهم.
التحدي الذي تطرحه هذه التيارات حقيقي وخطير. فهو لا يهدد فقط مؤسسات الحوكمة العالمية والاتفاقيات التجارية، بل يهدد القيم الليبرالية ذاتها: التسامح، التعددية، حقوق الإنسان، وسيادة القانون. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل الرسائل التي يحملها هذا الصعود: الحاجة إلى نموذج بديل للعولمة أكثر عدالة وشمولية، وإصلاح جذري لمؤسسات الحوكمة العالمية لتكون أكثر ديمقراطية وشفافية، وإعادة بناء الثقة بين المواطنين ونخبهم السياسية.
مستقبل العلاقة بين الشعبوية القومية والعولمة الليبرالية غير محسوم. هناك سيناريوهات متعددة: إما استمرار التحدي وتآكل النظام الليبرالي بشكل أعمق، أو إصلاح ذاتي للعولمة يجعلها أكثر إنسانية وعدالة، أو ظهور نموذج هجين يجمع بين عناصر من النموذجين. ما يمكن التأكيد عليه هو أن العالم لن يعود كما كان قبل صعود هذه الظاهرة، وأن أي نقاش حول مستقبل النظام العالمي يجب أن يأخذ هذه الظاهرة بجدية بالغة.
المراجع :
1. مودي، كاس؛ روفيرا كالتواسر، كريستوبل. (2020). مقدمة مختصرة في الشعبوية. ترجمة: سعيد بكار ومحمد بكار. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (سلسلة ترجمان).
2. العادلي، أسامة؛ عبد المطلب، علي. (2023). "صعود اليمين المتطرف في غرب أوروبا وتداعياته: دراسة مقارنة بين حالتي فرنسا وألمانيا". مجلة الدراسات السياسية والقانونية، جامعة بني سويف.
