لم تعد فكرة الأمن قاصرة على أنماط التهديدات التقليدية مثل الحروب والصراعات المسلحة، وإنما تداخلت معها أنماط غير تقليدية مثل تغير المناخ. ففي العقود الأخيرة، باتت التغيرات المناخية تشكل تهديداً وجودياً للسلام والأمن الدوليين، حيث تؤدي آثارها - من ارتفاع درجات الحرارة، وندرة المياه، وتصحر الأراضي، وزيادة حدة الظواهر الجوية المتطرفة - إلى تفاقم التوترات القائمة وإشعال صراعات جديدة حول الموارد الشحيحة.
وقد أدركت المؤسسات الدفاعية حول العالم أن تغير المناخ ليس مجرد قضية بيئية تترك للخبراء في مجال المناخ، بل هو قضية أمنية واستراتيجية بامتياز. فوزارة الدفاع الأميركية، على سبيل المثال، تدرك أن تغير المناخ يشكل "عاملاً مضاعفاً للتهديدات" لأنه يؤدي إلى تفاقم الضغوط البيئية والمخاطر الأمنية القائمة. وبالمثل، يعترف حلف الناتو بأن تغير المناخ يمثل "تهديداً مضاعفاً" يؤثر بشكل مباشر في القدرات العسكرية للحلف.
يهدف هذا المقال إلى تقديم تحليل شامل لكيفية عمل المناخ كعامل مضاعف للتهديدات في ملف الدفاع الدولي، من خلال استعراض الأبعاد المختلفة لهذه الإشكالية، بدءاً من التأطير المفاهيمي، مروراً بآليات المضاعفة، وصولاً إلى الآثار العملية على القدرات الدفاعية والاستراتيجيات الأمنية.
ثانياً: التأطير المفاهيمي: تغير المناخ كـ"عامل مضاعف للتهديدات"
1. تعريف المفهوم
يُعرَّف مفهوم "عامل مضاعف للتهديدات" في السياق الأمني بأنه العامل الذي لا يشكل في حد ذاته تهديداً مباشراً، لكنه يعمل على تضخيم التهديدات القائمة وتسريع وتيرتها وتوسيع نطاقها. غالباً ما يُؤطَّر تغير المناخ على أنه "عامل مضاعف للتهديد" بزيادة الهجرة وتأجيج الصراع. فهو يُفاقم ندرة الموارد ويزيد العوامل الاجتماعية والاقتصادية والبيئية القائمة سوءاً.
إن فكرة أن تغير المناخ هو عامل مضاعف للتهديدات هي إطار تحليلي شامل ومطبق على نطاق واسع لفهم الآثار الأمنية لتغير المناخ. فبدلاً من النظر إلى تغير المناخ كتهديد مستقل، ينظر إليه هذا الإطار من خلال عدسة كيفية تأثيره على الأولويات القائمة، مثل مواجهة التحديات الجيوسياسية ومكافحة الإرهاب. والأهم من ذلك، أن تغير المناخ لا يضاعف التهديدات القائمة فحسب، بل يخلق تهديدات جديدة تماماً.
2. لماذا المناخ عامل مضاعف؟
يكمن جوهر كون المناخ عاملًا مضاعفًا للتهديدات في قدرته على التأثير في multiple pathways (مسارات متعددة) في آن واحد. فهو يؤثر في:
- ندرة الموارد: يؤدي تغير المناخ إلى تفاقم ندرة المياه والغذاء والأراضي الصالحة للزراعة، مما يزيد التوترات الاجتماعية والسياسية ويؤجج الصراعات على الموارد.
- الهجرة والنزوح: يؤدي تغير المناخ إلى تعطيل سبل العيش والهجرة البشرية، مما يؤثر على المجتمعات في جميع قطاعات الاقتصاد ويشكل ضغطاً على الحوكمة الحضرية والتماسك الاجتماعي.
- هشاشة الدول: يهدد تغير المناخ بإثقال كاهل الدول والمناطق الهشة والمعرضة للنزاعات، مما يزيد من احتمالية الانهيار وضعف المؤسسات.
- الاقتصاد غير الشرعي: يؤدي تغير المناخ، إلى جانب التدهور البيئي وفقدان التنوع البيولوجي، إلى تضخيم التهديدات الأمنية والاقتصادات غير الشرعية.
ثالثاً: آليات المضاعفة: كيف يعمل المناخ على تضخيم التهديدات؟
1. التنافس على الموارد الطبيعية
يشكل التنافس على الموارد الطبيعية أحد أبرز المسارات التي يعمل من خلالها تغير المناخ كعامل مضاعف للتهديدات. فندرة المياه، على سبيل المثال، تتصدر قائمة التحديات التي تواجه العديد من المناطق، خاصة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يفاقم التغير المناخي حدة التنافس على الموارد، ويفاقم الصراعات، ويعمق الفوارق الاجتماعية والاقتصادية.
ففي العراق، الذي يُعد خامس دولة معرضة للتأثر بتغير المناخ في العالم، من المتوقع أن ترتفع درجات الحرارة بمقدار درجتين مئويتين بحلول عام 2050، وأن ينخفض هطول الأمطار بنسبة 9%، مع زيادة حدة الظواهر الجوية القاسية بما فيها الجفاف والفيضانات والعواصف الترابية. هذه التغيرات تهدد بتفاقم التوترات بين المجتمعات المحلية، وتعميق انعدام الثقة في الحكومة، وتوسيع الفجوات الأمنية.
2. الهجرة المناخية والنزوح
تُعد الهجرة والنزوح الناجمان عن تغير المناخ من الآليات الرئيسية التي يعمل من خلالها كعامل مضاعف للتهديدات. ففي عام 2023، نزح 20.3 مليون شخص داخلياً على مستوى العالم نتيجة الكوارث المناخية، وكانت الفيضانات والعواصف والجفاف وحرائق الغابات من الأسباب الرئيسية لذلك.
في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي تعد بالفعل واحدة من أكثر المناطق تضرراً بالصراعات في العالم، من المتوقع أن يزيد التغير المناخي من زعزعة استقرار المجتمعات الهشة. فموجات الجفاف المتكررة أسهمت في نزوح ما يقرب من 140.000 شخص في العراق حتى مارس 2024. وفي اليمن، نزح 240.000 شخص في عام 2023، معظمهم بسبب الفيضانات.
تؤدي هذه الموجات النزفية إلى زيادة الضغط على المرافق العامة الهشة، وتزيد من سوء الظروف المعيشية لملايين الأشخاص، مما يخلق بيئة خصبة لعدم الاستقرار والتوترات الاجتماعية.
3. إضعاف قدرات الدول الهشة
يعمل تغير المناخ على تضخيم التهديدات من خلال إضعاف قدرات الدول، خاصة تلك الهشة والمأزومة. فالتغيرات المناخية تؤدي إلى تدمير رأس المال الاقتصادي، فضلاً عن خسارة العمال المهرة والمنتجين من خلال الهجرة التي تتسبب فيها البيئة، وزيادة الأمراض.
كما أن الكوارث البيئية الناتجة عن التغيرات المناخية مثل الفيضانات والسيول المتكررة تتسبب في خسائر مالية كبيرة لاقتصادات الدول نتيجة الأضرار المادية. هذا الضعف الاقتصادي ينعكس سلباً على قدرة الدول على توفير الخدمات الأساسية والأمن لمواطنيها، مما يخلق فراغاً أمنياً قد تستغله الجماعات المتطرفة والجهات الفاعلة من غير الدول.
رابعاً: التأثيرات على القدرات الدفاعية والعمليات العسكرية
1. البنية التحتية العسكرية
تشكل التأثيرات المباشرة لتغير المناخ على البنية التحتية العسكرية أحد أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات الدفاعية. فالجفاف وارتفاع درجات الحرارة يقللان العمر الافتراضي للمنشآت والبنية الأساسية، ويزيدان من المصروفات على المعدات العسكرية.
كما يهدد ارتفاع منسوب مياه البحار والعواصف الشديدة وزيادة الأمطار القواعد العسكرية والبحرية، خاصة تلك الموجودة في المناطق المنخفضة. ويمكن أن تتسبب الفيضانات في إلحاق أضرار جسيمة بمدارج الطائرات ومخازن الذخائر ومراكز الاتصالات.
وتجدر الإشارة إلى أن تغير المناخ يشكل تهديداً مباشراً للعديد من المنشآت العسكرية الأمريكية البالغ عددها 750منشأة في 80 دولة، حيث يقع العديد منها ضمن نطاق تأثير العواصف الساحلية المتصاعدة وارتفاع مستوى سطح البحر.
2. العمليات العسكرية والجاهزية
تؤثر التغيرات المناخية بشكل كبير على العمليات العسكرية والجاهزية القتالية. فالرياح القوية وضعف الرؤية وارتفاع درجات الحرارة وزيادة الاضطرابات الجوية تؤثر على عمليات إقلاع الطائرات وهبوطها والملاحة واستهلاك الوقود، مما يؤخر المهام العسكرية.
كما تزداد صعوبة تأمين خطوط الإمداد في ظل الظروف المناخية القاسية، وتزداد الحاجة إلى توفير المياه والطاقة للقوات في مناطق قد تعاني من ندرة الموارد، مما يضيف تحديات لوجستية إضافية.
إن إهمال الدراسات المناخية وتغيراتها يؤثر على بيئة التخطيط من حيث استخدام الأدوات المناسبة في بيئة المعركة، الأمر الذي يتطلب تطوير قدرات عسكرية جديدة متوافقة للعمل في هذه البيئات المتغيرة. وتزداد مخاطر العمليات العسكرية في حال عدم مناسبة جودة ونوعية الأسلحة لمستوى تغير الطقس في المستقبل.
3. التدريب والتأهيل
تشكل التغيرات المناخية تحدياً كبيراً لبرامج التدريب العسكري. فمن أهداف التدريب رفع الجاهزية القتالية والقدرة على العمل في مختلف البيئات المناخية، مما يستلزم وجود برامج تدريبية وتمارين مشتركة تهدف إلى تحسين وتطوير خبرات التدريب الشاملة للقدرة على مواجهة التغيرات البيئية والمناخية.
4. الأعباء المالية
تفرض التغيرات المناخية أعباء مالية إضافية على ميزانيات الدفاع. ففي مواجهة الاضطرابات المناخية، تبرز متطلبات توفير التمويل لتطوير أسلحة أقل اعتماداً على الوقود، وذخيرة صديقة للبيئة بدلاً من الذخائر التقليدية، وإنتاج مركبات تكتيكية ذات دفع هجين. كما أن التكاليف المرتبطة بإصلاح البنية التحتية المتضررة وتطوير قدرات جديدة تمثل عبئاً إضافياً على الميزانيات الدفاعية.
خامساً: التحديات الجيوسياسية والاستراتيجية
1. إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي
لم يعد تغير المناخ مجرد تحد بيئي، بل تحول إلى تهديدات استراتيجية تعيد تشكيل المشهد الجيوسياسي والعسكري عالمياً. فالمناطق القطبية، التي كانت في السابق مناطق متجمدة غير صالحة للاستغلال، أصبحت اليوم محور تنافس جيوسياسي مع ذوبان الجليد وفتح ممرات ملاحية جديدة.
كما أن التغيرات المناخية تؤثر في قدرات حلف الناتو وتخلق له تحديات تقنية وجيوسياسية جديدة، مما يزيد حجم الضغوط الأمنية عليه. فقد أوضحت الدراسات أن الأعباء الأمنية الواقعة على عاتق حلف الناتو نتيجة للتغيرات المناخية تتطلب اتخاذ تدابير مختلفة للتخفيف من آثارها والتكيف معها.
2. الهجرة والنزوح كتهديد للأمن الدولي
يشكل النزوح الناجم عن تغير المناخ تهديداً متصاعداً للأمن الدولي. ففي نهاية عام 2023، قدّرت الأمم المتحدة أن 117.3 مليون شخص قد نزحوا في جميع أنحاء العالم، منهم 68.3 مليون نازح داخلياً.
هذا النزوح يخلق ضغوطاً هائلة على الدول المستقبلة، وقد يؤدي إلى توترات بين المجتمعات المحلية والمهاجرين، وإلى صراعات على الموارد والخدمات. كما أن حركات النزوح الكبيرة قد تعبر الحدود الدولية، مما يخلق أزمات إنسانية وأمنية تتطلب استجابة دولية منسقة.
3. التعاون الدولي الدفاعي
تمثل التغيرات المناخية تهديداً عالمياً لكل الدول والجيوش، وهو ما يستدعي ضرورة أن يكون هناك تعاون دولي متعدد الأطراف في المجال الدفاعي. فالتحديات المناخية لا تعترف بالحدود، ولا يمكن لأي دولة بمفردها مواجهتها.
وقد بدأ حلف الناتو، على سبيل المثال، في بناء توافق سياسي بين دول الحلف لوضع أجندة لتقليل الانبعاثات الكربونية بنسبة 45% بحلول عام 2030، وأن يصبح محايداً للكربون بحلول عام 2050. كما يعمل الاتحاد الأوروبي على تطوير تحليل قائم على الأدلة والاستشراف، مما يسمح بتقديم أنظمة إنذار مبكر أكثر فعالية وفهماً أفضل للآثار غير المباشرة لتغير المناخ.
سادساً: الخاتمة
يؤكد تحليل المناخ كعامل مضاعف للتهديدات في ملف الدفاع الدولي على حقيقة مفادها أن تغير المناخ لم يعد قضية بيئية هامشية، بل أصبح أحد أبرز التحديات الاستراتيجية التي تواجه المجتمع الدولي في القرن الحادي والعشرين. فمن خلال آليات متعددة - تشمل التنافس على الموارد، والهجرة والنزوح، وإضعاف قدرات الدول، والتأثير المباشر على القدرات العسكرية - يعمل تغير المناخ على تضخيم التهديدات الأمنية القائمة وخلق تهديدات جديدة.
إن إدراك المؤسسات الدفاعية الكبرى، مثل البنتاغون وحلف الناتو، لهذه الحقيقة يشكل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح. لكن التحدي الأكبر يكمن في ترجمة هذا الإدراك إلى سياسات واستراتيجيات عملية، تتضمن:
1. تطوير القدرات العسكرية: بما يتناسب مع واقع مناخي متغير، من خلال تحديث البنية التحتية، وتطوير معدات قادرة على العمل في ظروف مناخية قاسية، وتدريب القوات على مواجهة التحديات المناخية.
2. إدماج البعد المناخي في التخطيط الاستراتيجي: بحيث يصبح تحليل المخاطر المناخية جزءاً لا يتجزأ من عمليات التخطيط الدفاعي والأمني.
3. تعزيز التعاون الدولي: لأن التحديات المناخية تتطلب استجابة جماعية، من خلال تبادل المعلومات والخبرات، وتنسيق الجهود، وتطوير آليات للاستجابة المشتركة للأزمات المناخية.
4. الاستثمار في الحلول المستدامة: بما في ذلك تقليل البصمة الكربونية للقطاع الدفاعي، والاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة للقواعد والعمليات العسكرية.
في النهاية، فإن التعامل مع تغير المناخ كعامل مضاعف للتهديدات يتطلب نقلة نوعية في طريقة تفكيرنا حول الأمن والدفاع. فالأمن في القرن الحادي والعشرين لم يعد مجرد حماية الحدود من التهديدات التقليدية، بل أصبح يتطلب فهماً عميقاً للتفاعلات المعقدة بين المناخ والموارد والمجتمعات والصراعات. وهذا الفهم هو الأساس لأي استراتيجية دفاعية فعالة في عصر التغير المناخي.
المراجع:
عكاشة، عبد الفتاح محمد (2023). "التغيرات المناخية ومدى تأثيرها على الأمن الدولي وتأثرها به". مجلة كلية التجارة للبحوث العلمية، جامعة بنها. تتناول هذه الدراسة العلاقة الوطيدة بين تغير المناخ والأمن الدولي، حيث توضح أن التوترات والنزاعات الداخلية والدولية تساعد على تفاقم أزمة تغير المناخ.
القسمي، جواد (2025). "تغير المناخ كتهديد للسلم والأمن الدوليين: تحليل لتوسع اختصاصات مجلس الأمن وحدوده القانونية". مجلة بنك للدراسات القانونية. يقدم هذا البحث تحليلاً لخطاب الأمن القومي الذي يصور تغير المناخ كتهديد للدولة ومصالحها، ويركز على الاضطرابات المحتملة الناجمة عن ندرة الموارد والهجرة المناخية.
