شهدت الساحة اليمنية منذ إعلان هدنة الأمم المتحدة عام 2022م حالة من الهدوء النسبي مقارنة بمستويات العنف التي اتسم بها الصراع خلال السنوات السابقة، إلا أن هذا الهدوء لم يكن تعبيرًا عن تسوية سياسية نهائية بقدر ما كان هدنة هشة أوقفت جزءًا من العمليات العسكرية دون أن تعالج جذور الأزمة السياسية والاقتصادية والأمنية ومع تجدد المواجهات المسلحة خلال أغسطس 2026م، وعودة جماعة الحوثي إلى تنفيذ هجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على عدد من الجبهات والمواقع الحيوية برزت مؤشرات جديدة على احتمال انتقال الأزمة اليمنية إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تتداخل فيها الاعتبارات الداخلية مع التطورات الإقليمية والدولية.
ويكتسب التصعيد الأخير أهمية خاصة بالنظر إلى اتساع نطاق العمليات العسكرية وتزامنها على جبهات متعددة، بالتوازي مع استهداف مواقع ومصالح مرتبطة بالأمن الإقليمي والملاحة الدولية، الأمر الذي أعاد اليمن إلى دائرة التوتر الإقليمي بصورة أكثر وضوحًا كما جاء التصعيد في بيئة إقليمية مضطربة تتسم بتزايد التوتر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، واستمرار حالة عدم الاستقرار في البحر الأحمر وخليج عدن بما يجعل فهم التطورات اليمنية مرتبطًا بدرجة كبيرة بمسارات الصراع خارج الحدود اليمنية.
دوافع التصعيد
شهد السادس من أغسطس 2026م تنفيذ جماعة الحوثي هجمات متزامنة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على خمس جبهات رئيسية، شملت مأرب والحديدة وتعز والضالع وصعدة، لترد القوات الحكومية بعملية عسكرية حملت اسم "الرد السريع" تضمنت استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والعمليات الجوية والمدفعية والهجمات المضادة على مواقع الحوثيين وأدى ذلك إلى اتساع نطاق المواجهات وعودة النشاط العسكري إلى عدد من الجبهات الاستراتيجية، بعد فترة من انخفاض حدة العمليات المباشرة منذ هدنة 2022م.
ويأتي هذا التصعيد في سياق سياسي اتسم خلال السنوات الماضية بعدم القدرة على تحويل الهدوء العسكري إلى مسار سياسي مستدام. فقد ظلت القضايا الأساسية، وفي مقدمتها توحيد المؤسسات، ودفع الرواتب، وفتح الطرق، وتحسين الوضع الاقتصادي وترتيب العلاقة بين الأطراف اليمنية، دون معالجة نهائية. وبذلك تحولت الهدنة من مرحلة انتقالية يفترض أن تقود إلى تسوية شاملة إلى حالة طويلة من الجمود، الأمر الذي منح الأطراف فرصة لإعادة ترتيب أوراقها السياسية والعسكرية.
ويُعد تعثر المسارات السياسية أحد أبرز دوافع التصعيد. فاستمرار المفاوضات دون تحقيق اختراق جوهري جعل الأطراف أكثر استعدادًا للعودة إلى استخدام القوة باعتبارها أداة لإعادة تشكيل موازين التفاوض. وتدرك جماعة الحوثي أن امتلاك القدرة على الضغط العسكري يمنحها هامشًا أوسع في أي مفاوضات مستقبلية، ولذلك يمكن النظر إلى الهجمات الأخيرة باعتبارها محاولة لتعزيز موقعها التفاوضي وفرض معادلات جديدة على خصومها، ومنع الأطراف الأخرى من امتلاك قرار سياسي منفرد بشأن مستقبل البلاد.
كما ارتبط التصعيد بما وصفه طرفا الصراع بالتحشيدات العسكرية والاستعدادات الهجومية. فقد شهدت مناطق مأرب وحضرموت وتعز والساحل الغربي تحركات عسكرية متزايدة، في وقت اتهم فيه كل طرف الآخر بالاستعداد لشن عمليات جديدة. وجاءت العمليات العسكرية للقوات الحكومية في أعقاب استهداف الحوثيين لمعسكرات وموانئ ومواقع حيوية، إلى جانب هجمات طالت مناطق قريبة من الأراضي السعودية، الأمر الذي دفع رشاد العليمي إلى توجيه رسائل حازمة بشأن الرد على هذه العمليات، مع إبقاء مجلس الدفاع الوطني في حالة انعقاد دائم.
ولا ينفصل العامل الاقتصادي عن التصعيد العسكري؛ فالهدنة لم تتمكن من معالجة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، خصوصًا في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين. واستمرار انقطاع الرواتب، وتدهور الظروف المعيشية، وتفاقم مستويات الفقر والجوع كلها عوامل أسهمت في زيادة الاحتقان الشعبي. وفي ظل هذه البيئة، تلجأ الجماعة إلى تعزيز حضورها العسكري وتوسيع عمليات التجنيد، بما يسمح لها بتعبئة المجتمع حول خطاب الحرب من جهة، وتحقيق السيطرة على مواقع اقتصادية وموارد استراتيجية من جهة أخرى.
ويمثل التحكم في الموارد الاقتصادية وممرات التجارة والطاقة عنصرًا أساسيًا في حسابات الصراع؛ إذ إن السيطرة على الموانئ والطرق والمواقع النفطية والغازية تمنح الأطراف موارد مالية مهمة، فضلًا عن أوراق ضغط يمكن استخدامها في أي مفاوضات مقبلة. ومن هنا، فإن الصراع اليمني لا يدور فقط حول السيطرة السياسية، وإنما يرتبط أيضًا بمسألة توزيع الموارد وإعادة بناء موازين القوة الاقتصادية.
البعد الإقليمي للتصعيد
تتجاوز الأزمة اليمنية حدود الصراع الداخلي بسبب ارتباطها الوثيق بالبيئة الإقليمية المضطربة، ولا سيما في منطقة البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب فقد تحولت الأراضي والمياه اليمنية خلال السنوات الماضية إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى المحلية والإقليمية والدولية، وأصبحت الهجمات على السفن والممرات البحرية جزءًا من أدوات الضغط السياسي والعسكري المستخدمة في الصراعات الإقليمية.
ويزداد هذا البعد وضوحًا مع ارتباط جماعة الحوثي بإيران سياسيًا وعسكريًا، وهو ما جعل التطورات في اليمن تتأثر بصورة مباشرة بمسار العلاقات الإيرانية مع الولايات المتحدة وإسرائيل والدول العربية. ولذلك، فإن توقيت التصعيد الأخير يثير تساؤلات حول مدى ارتباط العمليات الحوثية بالحسابات الإيرانية، خصوصًا أنها جاءت في مرحلة اتسمت بتصاعد التوترات الإقليمية ووجود اتصالات ومفاوضات تتعلق بإعادة تثبيت التهدئة وفتح الممرات البحرية.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم الورقة الحوثية باعتبارها إحدى أدوات الضغط التي تستطيع طهران استخدامها بصورة غير مباشرة. فإشعال جبهة اليمن والبحر الأحمر يسمح بإبقاء الضغط قائمًا على الخصوم دون الدخول بالضرورة في مواجهة مباشرة على جميع الجبهات، كما يتيح لإيران التأثير في أمن الملاحة الدولية وطرق التجارة والطاقة. ويعزز ذلك أهمية الموقع الجغرافي لليمن، الذي يشرف على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
كما يمكن تفسير التوقيت السياسي للتصعيد في ضوء محاولة إيران الاحتفاظ بخيارات متعددة في مواجهة الضغوط الدولية. فبينما يمكن للغة الحوار والمفاوضات أن تمنح طهران مساحة للتحرك الدبلوماسي، تتيح الورقة الحوثية الاحتفاظ بأداة ضغط عسكرية قادرة على توسيع نطاق الأزمة إذا تطلبت الحسابات الإقليمية ذلك. ومن هنا فإن الدعوة إلى الحوار لا تعني بالضرورة التخلي عن أدوات القوة، وإنما قد تتكامل الأداتان ضمن استراتيجية أوسع لإدارة الصراع.
ويكشف ذلك أيضًا عن سبب الحذر الحوثي في بعض مراحل الصراع الإقليمي، إذ إن الاستخدام المباشر والمبكر للورقة اليمنية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من بينها توحيد المواقف الدولية ضد إيران، خصوصًا إذا أدى التصعيد إلى تعطيل حركة التجارة العالمية أو تهديد إمدادات الطاقة لذلك، فإن توقيت تفعيل هذه الورقة يظل مرتبطًا بحسابات دقيقة تتعلق بحجم المكاسب والخسائر المحتملة.
مآلات التصعيد
على المستوى الداخلي، يمثل التصعيد العسكري تهديدًا مباشرًا لما تبقى من مظاهر الاستقرار النسبي الذي شهدته البلاد منذ عام 2022م. فعودة العمليات إلى عدة جبهات في وقت متزامن تعني إمكانية انتقال الصراع من حالة الاحتواء الجزئي إلى نمط أكثر اتساعًا، خصوصًا إذا استمرت الضربات المتبادلة وتوسعت أهدافها لتشمل المدن والمناطق المدنية والمنشآت الاقتصادية.
وقد حذر هانس غروندبرغ من تزايد خطر عودة اليمن إلى صراع واسع النطاق، وهو تحذير يعكس حجم المخاطر التي تفرضها التطورات الأخيرة. فالعودة إلى الحرب المفتوحة ستعني تفاقم الأوضاع الإنسانية والاقتصادية، وزيادة أعداد النازحين، وتراجع فرص الحصول على الخدمات الأساسية، فضلًا عن اتساع نطاق الفقر والجوع وتراجع القدرة على إعادة بناء مؤسسات الدولة.
وتكمن خطورة هذا السيناريو في أن المجتمع اليمني لم يتعافَ أصلًا من آثار سنوات الحرب السابقة فالبنية التحتية لا تزال تعاني من أضرار واسعة، والاقتصاد يواجه اختلالات عميقة، والمؤسسات منقسمة، كما أن ملايين اليمنيين يعتمدون بدرجات مختلفة على المساعدات الإنسانية وبالتالي فإن أي جولة جديدة واسعة من القتال ستضاعف الكلفة الإنسانية، وقد تدفع قطاعات جديدة من السكان إلى النزوح أو الانخراط في اقتصاد الحرب.
أما إقليميًا، فإن التصعيد يكتسب خطورة أكبر بسبب اقترابه من خطوط الملاحة الدولية ومضيق باب المندب ويعد المضيق نقطة استراتيجية لحركة التجارة العالمية، ولذلك فإن أي تهديد مستمر لأمنه قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتحويل مسارات السفن، وزيادة الضغوط على الاقتصاد العالمي، فضلًا عن إمكانية استدعاء تدخلات عسكرية خارجية جديدة.
كما أن استهداف السفن أو المنشآت المرتبطة بالدول الإقليمية قد يؤدي إلى توسيع نطاق المواجهة، بحيث لا تبقى محصورة بين الحوثيين والقوى اليمنية المناوئة لهم. ومع دخول أطراف إقليمية جديدة على خط الصراع، يمكن أن يتحول اليمن إلى جبهة إضافية في الصراع الإقليمي، الأمر الذي يهدد بإنتاج دائرة من التصعيد المتبادل يصعب احتواؤها بالوسائل السياسية التقليدية.
خيارات التسوية
تكشف التجربة اليمنية منذ عام 2014م أن الاتفاقات المؤقتة والهدن المتعاقبة لم تنجح في إنهاء الصراع بصورة مستدامة. فمنذ سيطرة الحوثيين على صنعاء، مرورًا باتفاق استكهولم عام 2018م، ومبادرة الرياض عام 2021م، وصولًا إلى هدنة 2022م، ظل المسار السياسي يواجه عقبات مرتبطة بغياب الثقة، وتباين المصالح، وتعدد مراكز القوة، واستمرار امتلاك الأطراف لقدرات عسكرية تسمح لها بالعودة إلى المواجهة متى رأت أن الظروف السياسية تخدم مصالحها.
وقد أظهرت التجربة أن الهدنة العسكرية، رغم أهميتها الإنسانية، لا تكفي وحدها لبناء سلام مستدام فالهدوء الذي لا يصاحبه اتفاق سياسي شامل وإجراءات اقتصادية واضحة وترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ يظل معرضًا للانهيار عند أول تغير في موازين القوى. ولذلك، فإن الخيار الأكثر واقعية يتمثل في الانتقال من إدارة الصراع إلى معالجة أسبابه البنيوية، بما يضمن عدم تحول الهدنة إلى مجرد فترة لإعادة بناء القدرات العسكرية.
ويحتاج المسار السياسي إلى معالجة الملفات التي ظلت مصدرًا رئيسيًا للتوتر، وفي مقدمتها قضية الرواتب، وفتح الطرق، وتوحيد المؤسسات الاقتصادية والمالية، واستئناف النشاط التجاري، وحماية الموارد الوطنية، إلى جانب وضع ترتيبات أمنية تضمن خفض التصعيد تدريجيًا كما يتطلب الأمر التوصل إلى صيغة سياسية تعالج مسألة توزيع السلطة والثروة، وتضمن مشاركة مختلف المكونات اليمنية في تحديد مستقبل البلاد.
وفي المقابل، فإن اللجوء إلى الحسم العسكري الشامل، رغم طرحه باعتباره خيارًا محتملًا في ظل انسداد المسارات السياسية، يحمل مخاطر كبيرة على اليمن والمنطقة. فالحرب المفتوحة قد لا تؤدي بالضرورة إلى حسم الصراع، وإنما يمكن أن تعيد إنتاجه بصورة أكثر عنفًا وتعقيدًا، خصوصًا في ظل طبيعة الجغرافيا اليمنية وتعدد القوى المسلحة وتشابك المصالح الإقليمية.
خاتماً: يثبت تجدد المواجهات في اليمن أن الهدوء الذي أعقب هدنة 2022م لم يكن سلامًا مكتمل الأركان، وإنما كان حالة مؤقتة من خفض التصعيد لم تتمكن من معالجة جذور الأزمة السياسية والاقتصادية والأمنية. ومع عودة الهجمات الحوثية والردود العسكرية إلى عدد من الجبهات، بات خطر الانزلاق نحو مواجهة أوسع أكثر حضورًا، خصوصًا في ظل استمرار الجمود السياسي وتدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية.
وتكشف التطورات الأخيرة كذلك عن الطبيعة المركبة للصراع اليمني، الذي لم يعد محصورًا في التنافس على السلطة بين أطراف محلية، بل أصبح جزءًا من شبكة أوسع من الصراعات الإقليمية المرتبطة بإيران والولايات المتحدة وإسرائيل وأمن الخليج والبحر الأحمر. ويمنح الموقع الجغرافي لليمن هذا الصراع أهمية تتجاوز حدوده الوطنية، خصوصًا مع ارتباطه بأمن باب المندب وحركة التجارة والطاقة الدولية.
المصدر: مركز رع للدراسات الاستراتيجية
الكاتب : د. عبد الناصر سعيد
التاريخ : 19/8/2026
-------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية
الكاتب : رضوى الشريف
التاريخ : 12/7/2026
