يشهد المشهد الإقليمي تحولات متسارعة أعادت تشكيل خريطة التحالفات وأدوار القوى الفاعلة في الشرق الأوسط، الأمر الذي انعكس على طبيعة العلاقات بين الدول الساعية إلى تعزيز استقرارها ومواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية المشتركة. وفي هذا السياق جاءت زيارة رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إلى إسطنبول في يوليو 2026 لتؤكد وجود توجه متبادل نحو فتح صفحة جديدة في العلاقات اللبنانية - التركية تقوم على توسيع مجالات التعاون السياسي والأمني والاقتصادي. كما تعكس الزيارة إدراكًا متزايدًا لدى الجانبين بأن المتغيرات الإقليمية، وفي مقدمتها التصعيد الإسرائيلي وتراجع بعض موازين النفوذ التقليدية، تفرض بناء شراكات أكثر فاعلية قادرة على دعم استقرار لبنان وتعزيز دوره ضمن التوازنات الإقليمية الجديدة.
التقارب يفرض معادلات جديدة
مثّلت زيارة نواف سلام إلى تركيا محطة مهمة في مسار العلاقات الثنائية، إذ جاءت في توقيت يشهد إعادة رسم لمعادلات الأمن في الشرق الأوسط. وأظهرت التصريحات التركية التي ربطت أمن أنقرة باستقرار كل من دمشق وبيروت، تحولًا واضحًا في الرؤية الاستراتيجية التركية، بعدما كانت سوريا تمثل محور الاهتمام الرئيسي في الحسابات الأمنية لأنقرة. ويعكس هذا التحول إدراكًا بأن استقرار لبنان أصبح عنصرًا مؤثرًا في أمن المنطقة ككل، خاصة في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية وتصاعد المخاوف من اتساع رقعة المواجهات. كما تسعى تركيا إلى ملء جزء من الفراغ الذي نتج عن تراجع النفوذ الإيراني، دون الدخول في منافسة مع القوى العربية بل عبر تبني نهج يقوم على دعم مؤسسات الدولة اللبنانية وتعزيز سيادتها ورفض أي ترتيبات تقوم على دعم أطراف داخلية على حساب الدولة، وهو ما ظهر في تركيز المباحثات على التعاون الاقتصادي، وتنشيط اتفاقيات التجارة، وتطوير التنسيق الأمني وضبط الحدود.
التحولات تعزز الحضور التركي
فرضت التطورات الإقليمية خلال العامين الماضيين واقعًا جديدًا منح تركيا مساحة أوسع للتحرك السياسي والدبلوماسي، خاصة بعد الدور الذي لعبته في دعم الإدارة السورية الجديدة والمساهمة في تعزيز انفتاحها على المجتمع الدولي. وأسهمت التحركات التركية، بالتنسيق مع عدد من القوى الإقليمية، في تخفيف الضغوط الدولية على دمشق وتهيئة بيئة أكثر استقرارًا، وهو ما عزز مكانة أنقرة باعتبارها وسيطًا قادرًا على الجمع بين المصالح الإقليمية والدولية. وانطلاقًا من هذا الدور، بات لبنان ينظر إلى تركيا كشريك يمكنه المساهمة في دعم موقفه خلال المرحلة المقبلة، سواء عبر التواصل مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية أو من خلال تشجيع الحلول السياسية التي تحد من التصعيد العسكري. كما أن استمرار التنسيق التركي مع العواصم العربية الكبرى يمنح هذا الدور بعدًا إقليميًا أوسع، ويجعله جزءًا من جهود مشتركة تستهدف الحفاظ على استقرار لبنان ومنع تحوله إلى ساحة صراع مفتوحة.
دور اقتصادي وأمني متصاعد
لا يقتصر الحضور التركي المتوقع في لبنان على الجوانب السياسية، بل يمتد إلى ملفات الاقتصاد وإعادة الإعمار والتعاون الأمني فتركيا تمتلك خبرات واسعة في مجالات البنية التحتية والطاقة والنقل، وهو ما يجعلها شريكًا مهمًا في دعم خطط إعادة إعمار الجنوب اللبناني وتحفيز الاستثمارات بالتنسيق مع الدول الخليجية والشركاء الدوليين. كما يتوقع أن يتوسع التعاون في مجالات تدريب المؤسسات الأمنية وتعزيز قدرات الجيش اللبناني وضبط الحدود المشتركة مع سوريا، بما يسهم في الحد من التهريب وتعزيز سيادة الدولة ويختلف هذا النهج عن نماذج النفوذ التقليدية في المنطقة، إذ يقوم على دعم مؤسسات الدولة الرسمية وتعزيز احتكارها للسلاح، بما يرسخ الاستقرار الداخلي ويحد من فرص الانزلاق نحو صراعات جديدة.
مستقبل الشراكة الإقليمية اللبنانية
تشير المؤشرات الحالية إلى أن التقارب اللبناني - التركي مرشح للتطور خلال المرحلة المقبلة في إطار شبكة أوسع من التعاون الإقليمي تضم عددًا من الدول الداعمة لاستقرار لبنان. ومن المتوقع أن يسهم هذا الحراك في تعزيز الموقف اللبناني خلال المفاوضات المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي وترتيبات الأمن في الجنوب، عبر توفير غطاء سياسي ودبلوماسي أوسع يوازن الضغوط الدولية. كما يمنح هذا التعاون لبنان فرصة لتنويع شراكاته الخارجية والاستفادة من الدور التركي في التواصل مع الولايات المتحدة وأوروبا، بما يخدم مصالحه السياسية والاقتصادية وفي المقابل، يعزز هذا الدور مكانة تركيا كلاعب إقليمي يسعى إلى ترسيخ الاستقرار وبناء شراكات تنموية طويلة الأمد، الأمر الذي يجعل مستقبل العلاقات بين البلدين مرتبطًا بقدرتهما على تحويل التفاهمات الحالية إلى تعاون مؤسسي مستدام.
خاتماً: يعكس التقارب اللبناني - التركي تحولات أوسع تشهدها المنطقة، حيث تتجه الدول الفاعلة إلى بناء شراكات قائمة على دعم الاستقرار وتعزيز مؤسسات الدولة. وإذا نجح الطرفان في ترجمة التفاهمات السياسية إلى مشروعات اقتصادية وأمنية ملموسة، فقد يصبح هذا التقارب أحد أهم العوامل المؤثرة في دعم استقرار لبنان وتعزيز حضوره الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.
المصدر: مركز الأهرام للدرسات السياسية والاستراتيجية
الكاتب : د. رابحة سيف علام
التاريخ : 15/7/2026
-----------------------------------------------------------------------------------
المصدر: لبنان 24
الكاتب : حسين خليفة
التاريخ : 13/7/2026
