يشهد الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة تحولاً عميقاً بفعل التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي تجاوزت كونها أدوات تقنية حديثة لتتحول إلى أحد أهم محددات النمو الاقتصادي والقدرة التنافسية للدول. فقد أصبح توظيف الذكاء الاصطناعي مرتبطاً بصورة مباشرة بتحسين الإنتاجية، وخفض تكاليف التشغيل، وتعزيز الابتكار، ورفع كفاءة استخدام الموارد، إلى جانب إعادة صياغة طبيعة الأنشطة الاقتصادية وأساليب إدارة المؤسسات والأسواق. وفي ظل هذا التحول، لم يعد التفوق الاقتصادي يعتمد فقط على امتلاك الموارد الطبيعية ورأس المال التقليدي، وإنما أصبح مرتبطاً بدرجة متزايدة بقدرة الدول على امتلاك البيانات والبنية التحتية الرقمية والقدرات الحاسوبية والكوادر البشرية القادرة على تطوير التقنيات المتقدمة وتوظيفها في القطاعات الإنتاجية والخدمية.
الاستراتيجية المتكاملة للذكاء الاصطناعي
اتجهت الصين إلى وضع الذكاء الاصطناعي في قلب استراتيجيتها التنموية، انطلاقاً من تصور يعتبر هذه التكنولوجيا أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي والتحول الصناعي خلال العقود المقبلة. وفي هذا الإطار، تبنت بكين سياسة تقوم على الانتقال من تطوير التطبيقات التكنولوجية بصورة منفصلة إلى إدماج الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية. وقد برز هذا التوجه بصورة واضحة مع خطة عام 2025 التي تستهدف توسيع استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجموعة واسعة من الأنشطة، وصولاً إلى هدف طموح يتمثل في نشر تطبيقاته في نحو 90% من قطاعات الاقتصاد بحلول عام 2030. ويعكس هذا الهدف طبيعة الرؤية الصينية التي لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره قطاعاً اقتصادياً قائماً بذاته، بل باعتباره بنية تكنولوجية عابرة للقطاعات يمكن أن تؤثر في الصناعة والتجارة والخدمات والبحث العلمي والإدارة العامة.
وفي السياق ذاته، جاءت مبادرة «الذكاء الاصطناعي بلس» (AI+) باعتبارها أحد المكونات الأساسية لهذه الرؤية، حيث تستهدف دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في القطاعات التقليدية والأنشطة الاقتصادية القائمة، على غرار الدور الذي أدته مبادرة «الإنترنت بلس» في تسريع التحول الرقمي الصيني خلال العقد الماضي. وتقوم الفكرة الأساسية للمبادرة على استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير الصناعة، وتحسين الخدمات، ودعم المدن الذكية، ورفع كفاءة الإدارة، وتطوير أساليب الإنتاج والتسويق واتخاذ القرار. وبذلك، تسعى الصين إلى تحقيق تحول من الرقمنة التقليدية إلى اقتصاد أكثر اعتماداً على الأنظمة الذكية القادرة على تحليل البيانات والتنبؤ بالاتجاهات واتخاذ القرارات بصورة أكثر سرعة وكفاءة.
ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة بالنظر إلى حجم الاقتصاد الصيني واتساع قاعدته الصناعية. فكل زيادة محدودة في إنتاجية الشركات والمصانع نتيجة استخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن تترجم إلى مكاسب اقتصادية كبيرة على المستوى الكلي. ولذلك، فإن الاستراتيجية الصينية تركز على توسيع نطاق الاستخدام بدلاً من حصر التكنولوجيا في عدد محدود من الشركات العملاقة. ويتطلب ذلك توفير بنية تحتية رقمية واسعة، وقدرات حوسبية كبيرة، وبيئة استثمارية وتشريعية قادرة على استيعاب التطبيقات الجديدة.
كما اعتمدت الصين على استراتيجية النماذج مفتوحة المصدر ومفتوحة الأوزان بهدف تسريع انتشار الذكاء الاصطناعي وخفض تكاليف استخدامه. ويكتسب هذا الخيار أهمية اقتصادية كبيرة؛ إذ يتيح للشركات والمصانع والمؤسسات تعديل النماذج المتاحة وتكييفها مع احتياجاتها الخاصة دون تحمل تكاليف تطوير أنظمة متقدمة من نقطة الصفر. كما أن الاعتماد على النماذج الصغيرة المتخصصة يمكن أن يخفض تكاليف التشغيل بصورة كبيرة مقارنة بالنماذج الضخمة، الأمر الذي يفتح المجال أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة للاستفادة من الذكاء الاصطناعي.
البنية الرقمية كمحرك للنمو
يمثل الاستثمار في البنية التحتية الرقمية أحد أهم مرتكزات الاستراتيجية الصينية، إذ تدرك بكين أن تطوير الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يتحقق من خلال النماذج البرمجية وحدها، وإنما يتطلب منظومة متكاملة من شبكات الاتصالات ومراكز البيانات والقدرات الحوسبية وأنظمة التخزين ونقل البيانات. ولهذا، شهدت الصين توسعاً كبيراً في الاستثمار في شبكات الجيل الخامس، ومراكز الحوسبة، والبنية التحتية للبيانات، بما يوفر الأساس المادي لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتشغيلها على نطاق واسع.
وتبرز تجربة بكين بصورة خاصة في هذا المجال؛ إذ شهد عام 2025 إنشاء آلاف المحطات الجديدة لشبكات «5G-Advanced»، ليرتفع إجمالي عدد المحطات إلى نحو 18 ألف محطة إلى جانب إضافة نحو 38 ألف بيتافلوب من قدرات الحوسبة الذكية، ليصل إجمالي القدرة الحاسوبية إلى قرابة 60 ألف بيتافلوب وتكتسب هذه الأرقام أهمية كبيرة لأن القدرة الحوسبية تمثل أحد العناصر الأساسية في تدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي واسعة النطاق فكلما توسعت القدرة الحوسبية، أصبحت الشركات والمؤسسات أكثر قدرة على تطوير التطبيقات الذكية وتحليل كميات ضخمة من البيانات.
ويرتبط ذلك أيضاً بالنمو السريع في إنتاج البيانات داخل الاقتصاد الصيني. فقد تجاوز إنتاج البيانات خلال عام 2025 نحو 52.26 زيتابايت، بزيادة سنوية بلغت قرابة 27.28%، وهو ما يمثل نسبة كبيرة من إجمالي إنتاج البيانات العالمي. وتمثل هذه البيانات مورداً اقتصادياً متزايد الأهمية، نظراً إلى إمكانية استخدامها في تطوير النماذج الذكية وتحسين عمليات الإنتاج والتنبؤ بالطلب وإدارة سلاسل الإمداد وتطوير الخدمات ومن ثم، أصبح الاقتصاد القائم على البيانات أحد المكونات الأساسية في عملية التحول الاقتصادي الصيني.
كما انعكست الاستثمارات الرقمية على أداء قطاعات اقتصادية متعددة. ففي بكين، سجلت القيمة المضافة لصناعة الإلكترونيات نمواً قوياً، كما حقق قطاع البرمجيات وخدمات تكنولوجيا المعلومات معدلات نمو مرتفعة. وترافق ذلك مع توسع عدد الشركات والمنصات الرقمية الكبرى، وارتفاع عدد المصانع الذكية ومصانع «المنارة» التي تستخدم تقنيات متقدمة في عمليات الإنتاج. ويشير ذلك إلى أن الاستثمار في البنية التحتية الرقمية لم يعد منفصلاً عن الاقتصاد الحقيقي، بل أصبح مرتبطاً مباشرة بإعادة تنظيم العملية الإنتاجية.
الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الصيني
يتجاوز تأثير الذكاء الاصطناعي في الصين حدود تطوير القطاعات التكنولوجية، ليصبح أحد الأدوات المستخدمة لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني. ويأتي هذا التحول في سياق اقتصادي يتسم بوجود تحديات في بعض القطاعات التقليدية، وعلى رأسها العقارات والإنشاءات، وهو ما دفع بكين إلى البحث عن مصادر جديدة للنمو تقوم على الصناعات عالية التقنية والاقتصاد الرقمي والطاقة الخضراء والتصنيع المتقدم.
وفي هذا الإطار، تشير التقديرات إلى أن الصناعات عالية التقنية والخضراء باتت تشكل نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي الصيني، متجاوزة مساهمة القطاع العقاري لأول مرة وتكشف هذه التطورات عن تحول مهم في هيكل الاقتصاد، يتمثل في انتقال مركز الثقل تدريجياً من الأنشطة التي تعتمد على الاستثمار العقاري والتوسع في الأصول التقليدية إلى قطاعات أكثر اعتماداً على التكنولوجيا والابتكار.
وقد انعكس هذا التحول على أداء الاقتصاد خلال عام 2026، حيث أسهم قطاع الإلكترونيات وتقنية المعلومات بصورة ملموسة في النمو الاقتصادي، بالتزامن مع ارتفاع إنتاج الإلكترونيات وزيادة الاستثمارات الرأسمالية في هذا القطاع وفي المقابل، شهدت بعض الاستثمارات التقليدية تراجعاً، بما يشير إلى تغير تدريجي في توزيع رأس المال داخل الاقتصاد الصيني. ويعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي لا يؤدي فقط إلى تحسين أداء القطاعات القائمة وإنما يساهم في خلق قطاعات جديدة قادرة على جذب الاستثمار وتوفير فرص للنمو.
ويظهر هذا الدور أيضاً في قطاع السيارات ذاتية القيادة والروبوتات والطائرات بدون طيار والرعاية الصحية والزراعة الذكية فهذه المجالات تمثل نماذج للاقتصاد الجديد الذي يجمع بين الذكاء الاصطناعي والمنتجات المادية والخدمات المتقدمة. وتسمح هذه التطبيقات بتحويل الذكاء الاصطناعي من برنامج أو أداة تحليلية إلى منتج اقتصادي له قيمة مباشرة في السوق.
كما تسعى الصين إلى زيادة معدل تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي في القطاعات الرئيسية، مع وضع أهداف طموحة للوصول إلى معدلات استخدام مرتفعة خلال السنوات المقبلة ويعكس ذلك رغبة في تعميم المكاسب الناتجة عن الذكاء الاصطناعي وعدم حصرها في الشركات التكنولوجية الكبرى فكلما زاد استخدام الذكاء الاصطناعي في المصانع والخدمات والزراعة والنقل والصحة، زادت فرص رفع الإنتاجية الكلية للاقتصاد.
ومن أبرز المجالات التي تشهد تحولاً متسارعاً قطاع التصنيع، الذي يمثل قاعدة أساسية للقوة الاقتصادية الصينية. وقد ساعدت الأتمتة والروبوتات على معالجة بعض القيود المرتبطة بارتفاع تكاليف العمالة وتغير التركيبة السكانية كما تسمح الروبوتات بتوسيع الإنتاج وتحسين الجودة وتنفيذ المهام التي تتطلب مستويات عالية من الدقة والاستمرارية.
تعزيز القدرة التنافسية للصين
لا تقتصر الأهداف الصينية من تطوير الذكاء الاصطناعي على تحقيق مكاسب اقتصادية داخلية وإنما تمتد إلى تعزيز القدرة التنافسية الدولية للصين وترسيخ موقعها في الاقتصاد العالمي فالذكاء الاصطناعي أصبح أحد مجالات التنافس الرئيسية بين القوى الكبرى، نظراً إلى ارتباطه بالصناعة المتقدمة والرقائق والحوسبة والبيانات والأمن السيبراني والابتكار العلمي ومن ثم فإن امتلاك قدرات قوية في الذكاء الاصطناعي أصبح مرتبطاً بصورة متزايدة بمكانة الدولة الاقتصادية والتكنولوجية.
وفي هذا الإطار، يمثل تطوير النماذج الصينية مفتوحة المصدر أحد الأدوات المهمة في الاستراتيجية الدولية. فإتاحة نماذج متقدمة بتكلفة أقل يمكن أن تساعد على انتشار التكنولوجيا الصينية في الأسواق الخارجية، خصوصاً في الدول النامية التي تواجه قيوداً مالية أو تقنية تحول دون اعتمادها على النماذج مرتفعة التكلفة ومن ثم، يمكن أن يتحول النموذج المفتوح إلى أداة للقوة الاقتصادية الناعمة، من خلال بناء شبكات من المطورين والشركات والمؤسسات التي تعتمد على التكنولوجيا الصينية.
وتبرز نماذج مثل «DeepSeek» وعائلة «Qwen» في هذا السياق، ليس فقط بسبب قدراتها التقنية، وإنما بسبب مساهمتها في تغيير معادلة التكلفة داخل سوق الذكاء الاصطناعي. فخفض تكلفة تطوير وتشغيل النماذج يوسع نطاق الوصول إلى التكنولوجيا، ويزيد عدد الشركات القادرة على استخدامها، ويعزز المنافسة والابتكار كما يمكن أن يؤدي إلى ظهور تطبيقات محلية متخصصة في قطاعات متعددة، وهو ما يخلق قيمة اقتصادية جديدة ويزيد الطلب على البنية التحتية الرقمية.
وفي الوقت ذاته، تسعى الصين إلى تعزيز سرعة انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل الاقتصاد وتشير بعض التقديرات إلى ارتفاع معدلات استخدام التطبيقات الذكية في الصين إلى مستويات تفوق نظيرتها في الولايات المتحدة في بعض المجالات، وهو ما يعكس قدرة السوق الصينية على تحويل الابتكارات التقنية إلى استخدامات عملية على نطاق واسع ويعود ذلك جزئياً إلى حجم السوق، وقوة البنية الصناعية، وانتشار منصات التجارة الإلكترونية، وتوافر البيانات، إضافة إلى الدعم المؤسسي للتكنولوجيا.
ويمثل دمج الذكاء الاصطناعي في الشركات الصغيرة والمتوسطة تحدياً وفرصة في الوقت نفسه. فمن ناحية، يمكن لهذه الشركات الاستفادة من النماذج مفتوحة المصدر والأدوات منخفضة التكلفة لتطوير خدمات ومنتجات جديدة ومن ناحية أخرى، قد تواجه الشركات الأقل قدرة على الاستثمار صعوبة في مواكبة سرعة التغير التكنولوجي. ولذلك، فإن السياسة الصينية تسعى إلى تقليل تكلفة الوصول إلى التكنولوجيا وتوسيع نطاق استخدامها، بما يسمح بانتقال مكاسب الذكاء الاصطناعي إلى قاعدة أوسع من الاقتصاد.
خاتماً: تكشف التجربة الصينية أن الذكاء الاصطناعي أصبح عنصراً مركزياً في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، وأن نجاح الدول في الاستفادة منه لا يرتبط فقط بامتلاك التكنولوجيا، وإنما بقدرتها على بناء منظومة متكاملة تجمع بين البنية التحتية الرقمية، والبيانات، والقدرات الحوسبية، والبحث العلمي، والاستثمار، والتشريعات، والموارد البشرية. وقد أدركت الصين هذه الحقيقة مبكراً، ولذلك انتقلت من التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره قطاعاً تكنولوجياً متخصصاً إلى اعتباره أداة استراتيجية لإعادة هيكلة الاقتصاد وتعزيز الإنتاجية والقدرة التنافسية.
المصدر: موقع إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية
الكاتب : سنية عبدالقادر نايل
التاريخ : 20/8/2026
-----------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: صحيفة الوطن
الكاتب : أحمد إبراهيم
التاريخ : 17/8/2026
