منذ أن صاغ هانز مورجنثاو عبارته الشهيرة بأن «السياسة الدولية، مثلها مثل كل السياسات صراع من أجل القوة»، ظل مفهوم القوة يمثل حجر الزاوية في دراسة العلاقات الدولية وتعاقبت المدارس النظرية على تفسير مصادرها وأدواتها؛ فمنها من ربطها بالقدرة العسكرية ومنها من جعل الاقتصاد والموارد أساسًا لها، بينما وسعت اتجاهات أحدث نطاقها ليشمل الثقافة والمؤسسات والقدرة على الإقناع، وصولًا إلى مفهوم «القوة الناعمة» الذي طوره جوزيف ناي ورغم اختلاف هذه المقاربات، فإن معظمها انطلق من افتراض أساسي مفاده أن القوة تمثل رصيدًا تمتلكه الدولة، ثم تستخدمه لتحقيق مصالحها وحماية أمنها وتعزيز موقعها في النظام الدولي.
غير أن التحولات التي شهدها العالم خلال العقود الثلاثة الأخيرة تفرض إعادة النظر في هذا التصور. فالتنافس الدولي لم يعد يدور بصورة أساسية حول حجم الجيوش أو امتلاك الموارد الطبيعية، بل أصبح يشمل الرقائق الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والبيانات، والبحث العلمي، وسلاسل الإمداد التكنولوجية. كما برزت شركات عالمية لا تمتلك أقاليم أو جيوشًا، لكنها أصبحت قادرة على التأثير في الاقتصاد والأمن القومي وتشكيل الرأي العام بدرجة تفوق في بعض الحالات نفوذ دول كاملة.
ولا يعني هذا التحول أن عناصر القوة التقليدية فقدت أهميتها، وإنما يعني أن قيمتها أصبحت مرتبطة بقدرة الدولة على تحويلها إلى نفوذ متجدد. فالموارد الطبيعية والموقع الجغرافي والثروة السكانية والتفوق العسكري لا تمنح بالضرورة مكانة دولية مستدامة ما لم تُدار داخل منظومة قادرة على إنتاج المعرفة وتطوير التكنولوجيا ورفع كفاءة المؤسسات وتحويل هذه العناصر مجتمعة إلى تأثير سياسي واقتصادي واستراتيجي.
من امتلاك القوة إلى إنتاجها
ظل مفهوم القوة طوال القرن العشرين يدور بصورة أساسية حول سؤال مفاده: من يمتلك الموارد التي تمكنه من التأثير في الآخرين وفرض إرادته أو حماية مصالحه؟ ومن هذا السؤال انطلقت معظم مدارس العلاقات الدولية، وإن اختلفت في تحديد مصادر القوة وآليات استخدامها.
نظر هانز مورجنثاو إلى القوة بوصفها المحرك الأساسي للسياسة الدولية، ورأى أن الدول تتنافس بصورة مستمرة من أجل تحقيق مصالحها وتعزيز قدراتها. وقد انعكست هذه الرؤية على عالم تشكلت قواعده في ظل الحروب الكبرى، حيث ارتبط النفوذ بصورة وثيقة بحجم الجيوش والقدرات الاقتصادية والموارد الاستراتيجية.
ثم جاءت الواقعية البنيوية مع كينيث والتز لتضيف بعدًا آخر، إذ ربطت سلوك الدول ببنية النظام الدولي وتوزيع القدرات بين القوى المختلفة. ووفقًا لهذا التصور، فإن موقع الدولة داخل النظام الدولي يتحدد بدرجة كبيرة بحجم قدراتها مقارنة بالقوى الأخرى. أما جوزيف ناي فقد وسع مفهوم القوة من خلال التركيز على «القوة الناعمة» مؤكدًا أن الجاذبية الثقافية والقيم والمؤسسات والقدرة على الإقناع يمكن أن تحقق للدولة أهدافًا لا تستطيع القوة العسكرية وحدها تحقيقها.
ولا تزال هذه المقاربات ذات قيمة كبيرة في تفسير العلاقات الدولية، غير أن التحولات المعاصرة كشفت عن فجوة مهمة تتعلق بكيفية نشوء القوة نفسها وتجددها. فكيف استطاعت دول محدودة الموارد الطبيعية أن تصبح قوى اقتصادية وتكنولوجية مؤثرة؟ ولماذا أخفقت دول أخرى تمتلك ثروات هائلة أو جيوشًا كبيرة في الحفاظ على مكانتها؟ ولماذا أصبحت التكنولوجيا والبيانات والبحث العلمي وسلاسل الإمداد عناصر لا تقل أهمية عن النفط والسلاح في تحديد مكانة الدول؟
تكمن الإجابة في أن القوة لم تعد مجرد رصيد ثابت، وإنما أصبحت عملية إنتاج مستمرة. فالنفط لا يتحول تلقائيًا إلى نفوذ سياسي، والموقع الجغرافي لا يصنع مكانة دولية بمجرد وجوده، كما أن عدد السكان لا يصبح مصدرًا للقوة لمجرد ضخامته. فجميع هذه العناصر تمثل إمكانات أولية، لكنها لا تكتسب قيمتها الاستراتيجية إلا عندما تدخل في منظومة قادرة على تحويلها إلى معرفة وتكنولوجيا وإنتاج وتأثير.
ويشبه الفرق بين المفهومين الفرق بين دولة تمتلك موردًا طبيعيًا ودولة أخرى تمتلك القدرة على تحويل هذا المورد إلى صناعة متقدمة، ثم إلى صادرات وشركات وأسواق ومعايير دولية. ففي الحالة الأولى تكون الموارد مصدر القيمة الأساسي، بينما تصبح المنظومة المؤسسية والإنتاجية في الحالة الثانية مصدر القوة الحقيقي.
ومن ثم، فإن الدول لا تتراجع بالضرورة لأنها فقدت مواردها، كما أنها لا تصعد لمجرد امتلاكها موارد أكبر؛ وإنما تتراجع عندما تعجز عن إعادة إنتاج مصادر قوتها، وتصعد عندما تنجح في بناء منظومة قادرة على إنتاج أسباب التفوق بصورة مستمرة.
تجارب دولية لانتاج القوة
إذا كانت قيمة أي إطار نظري تقاس بقدرته على تفسير الواقع، فإن مفهوم «إنتاج القوة» يكتسب أهميته من قدرته على تفسير تجارب دولية تبدو متناقضة مع المقاييس التقليدية للقوة. وتكشف التجارب المقارنة أن العامل الحاسم لم يكن دائمًا حجم الموارد، وإنما قدرة الدولة على بناء منظومة تعيد إنتاج أسباب تفوقها.
الولايات المتحدة: غالبًا ما يفسر التفوق الأمريكي بحجم الاقتصاد والإنفاق العسكري والمكانة العالمية للدولار، وهي عوامل مهمة، لكنها لا تفسر وحدها استمرار القيادة الأمريكية لأكثر من سبعة عقود. فقد حافظت الولايات المتحدة على مكانتها لأنها امتلكت قدرة استثنائية على إعادة إنتاج مصادر قوتها كلما تغيرت البيئة الدولية.
وانتقلت الولايات المتحدة من الصناعة الثقيلة إلى الاقتصاد الرقمي، ومن الإنترنت إلى الذكاء الاصطناعي، مستفيدة من منظومة تجمع الجامعات ومراكز البحث ورأس المال والشركات والمؤسسات العامة. ولهذا أصبحت شركات التكنولوجيا الكبرى جزءًا من البيئة الاستراتيجية للقوة الأمريكية، لأنها تنتج تقنيات تؤثر في الاقتصاد العالمي والأمن القومي ومعايير المنافسة الدولية.
ويكشف النموذج الأمريكي أن القوة المستدامة لا ترتبط بقطاع واحد، وإنما بالقدرة على الانتقال من موجة تكنولوجية إلى أخرى، وتحويل المعرفة إلى شركات ومنتجات وأسواق وتأثير دولي.
الصين: تمثل الصين نموذجًا مختلفًا يقوم على التراكم الاستراتيجي طويل المدى. فمنذ إصلاحات الانفتاح الاقتصادي، لم يكن الهدف مجرد تحقيق النمو، وإنما بناء قاعدة إنتاجية تسمح بالانتقال تدريجيًا من استهلاك التكنولوجيا إلى تصنيعها، ثم إلى تطويرها والمنافسة في أسواقها.
وربطت الصين التعليم والبحث العلمي والتصنيع والبنية التحتية والابتكار ضمن مشروع اقتصادي واستراتيجي طويل الأجل. وبذلك أصبح النمو الاقتصادي وسيلة لبناء قدرات جديدة في التكنولوجيا والصناعة والتجارة، وليس مجرد غاية قائمة بذاتها.
وتوضح التجربة الصينية أن إنتاج القوة يحتاج إلى التراكم والاستمرارية؛ فالدولة لا تصبح قوة تكنولوجية بمجرد ضخ الأموال، وإنما من خلال بناء منظومة تعلم وإنتاج وابتكار تستطيع تطوير قدراتها عامًا بعد عام.
سنغافورة: تقدم سنغافورة نموذجًا مهمًا لأن محدودية الموارد الطبيعية لم تمنعها من تحقيق وزن اقتصادي واستراتيجي يفوق بكثير حجمها الجغرافي والديموغرافي فقد اعتمدت على الاستثمار في الإنسان والتعليم وسيادة القانون وكفاءة الإدارة وجذب الاستثمارات.
وأصبحت المؤسسات في هذه الحالة موردًا استراتيجيًا بحد ذاته؛ فالإدارة الجيدة لم تعد مجرد وسيلة لتحسين الأداء الحكومي، وإنما تحولت إلى أداة لإنتاج الثروة وتعزيز القدرة التنافسية وجذب رؤوس الأموال.
وتثبت التجربة أن المؤسسة الكفؤة تستطيع مضاعفة قيمة الموارد المحدودة، في حين تستطيع المؤسسة الضعيفة إهدار موارد ضخمة دون تحويلها إلى نفوذ مستدام.
الخليج العربي: تمثل بعض دول الخليج نموذجًا آخر في محاولة الانتقال من الاعتماد على الثروة النفطية إلى بناء مصادر جديدة للقوة. فقد اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى تنويع اقتصاداتها والاستثمار في الخدمات اللوجستية والسياحة والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي.
ولا تزال هذه التجربة في مراحل مختلفة من التنفيذ، إلا أن الاتجاه العام يكشف إدراكًا متزايدًا بأن العائدات النفطية، مهما بلغت، لا تكفل وحدها استمرار النفوذ في عالم يتحول تدريجيًا نحو اقتصاد المعرفة والتكنولوجيا والطاقة النظيفة.
وتكشف المقارنة بين هذه النماذج أن الولايات المتحدة تمثل نموذج الابتكار المستمر والصين نموذج التراكم الاستراتيجي، وسنغافورة نموذج المؤسسات الكفؤة، وإسرائيل نموذج التكنولوجيا بوصفها مضاعفًا للقوة، بينما تمثل بعض دول الخليج نموذج محاولة تحويل الثروة الريعية إلى استثمار في المستقبل.
والقاسم المشترك بينها جميعًا هو أنها لم تتعامل مع القوة باعتبارها شيئًا ثابتًا، وإنما باعتبارها عملية إنتاج متواصلة.
إنتاج القوة ومستقبل النظام الدولي
يكشف مفهوم «إنتاج القوة» عن تحول أعمق في طبيعة المنافسة الدولية. فالدول لم تعد تتنافس فقط على الموارد الموجودة، وإنما تتنافس بصورة متزايدة على القدرة على إنتاج الموارد الجديدة ومصادر النفوذ المستقبلية.
وتبرز التكنولوجيا في مقدمة هذه التحولات. فالذكاء الاصطناعي والرقائق والحوسبة الكمية والبيانات أصبحت عناصر استراتيجية تؤثر في الاقتصاد والدفاع والأمن والاتصالات. ولذلك فإن الدول التي تمتلك القدرة على إنتاج التكنولوجيا وتطويرها ووضع المعايير المرتبطة بها تمتلك فرصة أكبر للتأثير في قواعد النظام الدولي.
ويظهر الأمر نفسه في سلاسل الإمداد. فقد كشفت الأزمات العالمية الأخيرة أن امتلاك القدرة على إنتاج الدواء والغذاء والطاقة والمكونات الصناعية يمكن أن يتحول إلى عنصر من عناصر الأمن القومي. ولذلك أصبحت الدول تنظر بصورة متزايدة إلى المرونة الصناعية وتقليل الاعتماد الخارجي باعتبارهما جزءًا من القوة الوطنية.
كما أصبحت المعرفة عنصرًا مركزيًا في إنتاج القوة. فالدولة التي تمتلك جامعات ومراكز بحث قادرة على إنتاج المعرفة وتطويرها تستطيع أن تبني ميزة تراكمية، لأن المعرفة يمكن تحويلها إلى تكنولوجيا، والتكنولوجيا إلى صناعة، والصناعة إلى صادرات، والصادرات إلى نفوذ.
ومن هنا يمكن النظر إلى إنتاج القوة باعتباره سلسلة مترابطة تبدأ بالإنسان والمؤسسة، ثم تمر بالمعرفة والابتكار والتكنولوجيا والإنتاج، وتنتهي بالنفوذ السياسي والاقتصادي والاستراتيجي.
ويترتب على ذلك أن قياس القوة الوطنية في المستقبل لن يكون ممكنًا من خلال المؤشرات التقليدية وحدها. فإلى جانب حجم الاقتصاد والإنفاق العسكري والموارد الطبيعية، ستزداد أهمية مؤشرات مثل جودة التعليم، والإنفاق على البحث العلمي، والقدرة على الابتكار، وعدد الشركات التكنولوجية، وجودة المؤسسات، والقدرة على بناء سلاسل إمداد مستقلة ومرنة، والقدرة على جذب المواهب والاستثمارات.
خاتماً: شهد القرن العشرون تنافسًا بين الدول على امتلاك عناصر القوة؛ فكان النفط معيارًا مهمًا للثروة، والجيوش معيارًا للردع، وحجم الاقتصاد مؤشرًا رئيسيًا للمكانة الدولية أما القرن الحادي والعشرون فيفرض منطقًا أكثر تعقيدًا، إذ لم يعد الامتلاك وحده كافيًا، وأصبحت القيمة الحقيقية تكمن في قدرة الدولة على إنتاج القوة وتجديدها باستمرار.
وتكشف التجارب الدولية أن الموارد ليست سوى بداية المعادلة. فالثروة الطبيعية قد تمنح الدولة فرصة، لكنها لا تضمن لها النفوذ، والموقع الجغرافي قد يوفر ميزة، لكنه لا يصنع المكانة بمفرده، وحتى التفوق العسكري لا يستطيع الحفاظ على فاعليته إذا لم يستند إلى قاعدة علمية وصناعية وتكنولوجية قادرة على تطويره.
ويتمثل الفارق الأساسي بين الدول في طبيعة المنظومة التي تدير مواردها. فالدول التي تبني مؤسسات فعالة، وتستثمر في الإنسان، وتربط التعليم بالبحث العلمي، والبحث العلمي بالصناعة، والصناعة بالتكنولوجيا، تكون أكثر قدرة على تحويل إمكاناتها إلى نفوذ مستدام. أما الدول التي تعتمد على رصيد تاريخي من عناصر القوة دون إعادة إنتاجه، فإنها تصبح أكثر عرضة للتراجع كلما تغيرت قواعد المنافسة.
المصدر: المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية
الكاتب : جلال نصار
التاريخ : 17/8/2026
-----------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: المركز الدولي للدراسات الإستراتجية الأمنية والعسكرية
الكاتب : رمزي عودة
التاريخ : 27/2/2026
