التحولات السياسية الخارجية لمالي لعام 2026
فرع القاهرة

شهدت مالي خلال يوليو 2026 تحولات لافتة في توجهاتها الخارجية، في ظل استمرار المرحلة الانتقالية بقيادة آسيمي غويتا، وتزايد الضغوط الأمنية والاقتصادية التي تواجهها البلاد داخليًا وإقليميًا وقد اتخذت هذه التحولات طابعًا أكثر براغماتية، إذ بدأت باماكو في إعادة تنشيط عدد من قنوات الاتصال مع محيطها الإقليمي والقاري بالتزامن مع المحافظة على شراكتها الأمنية مع روسيا، وفتح مساحات جديدة للتواصل مع الولايات المتحدة ودول الجوار. ويأتي ذلك في سياق إقليمي شديد التعقيد، تتداخل فيه التحديات الأمنية مع الخلافات السياسية وتداعيات إعادة تشكيل التحالفات في منطقة الساحل وغرب أفريقيا.

ويبدو أن السياسة الخارجية المالية لم تعد تقوم على منطق القطيعة مع الأطراف التي تختلف معها سياسيًا، وإنما تتجه بصورة تدريجية نحو إدارة الخلافات من خلال الحوار المباشر وتوظيف العلاقات الخارجية لخدمة المصالح الأمنية والاقتصادية. وقد برز هذا التوجه بصورة واضحة في استئناف العلاقات مع الجزائر، وعودة التواصل مع الاتحاد الأفريقي، إلى جانب زيارة الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي إلى باماكو، واستمرار الاتصالات مع الولايات المتحدة، بينما حافظت روسيا على موقعها كشريك أمني رئيسي من خلال استمرار الدعم العسكري والسياسي.

وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة بالنظر إلى تصاعد التهديدات التي تواجه مالي من جانب الجماعات المسلحة، وعلى رأسها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، وجبهة تحرير أزواد، وما تسببه هذه الجماعات من ضغوط متزايدة على قدرة الدولة على فرض سيطرتها على أراضيها وتأمين طرق التجارة والمواصلات. كما أن الطبيعة الجغرافية لمالي بوصفها دولة غير ساحلية تجعلها شديدة الارتباط بمحيطها الإقليمي، خصوصًا في ما يتعلق بالموانئ وطرق الإمداد والتجارة والطاقة.

إعادة بناء قنوات التواصل

تمثل عودة العلاقات بين مالي والجزائر أحد أبرز المؤشرات على التحول التدريجي في السياسة الخارجية لباماكو، بعد فترة طويلة من التوترات الدبلوماسية التي ارتبطت بصورة أساسية بالتطورات الأمنية والسياسية في شمال مالي وبالخلافات المتعلقة باتفاق الجزائر للسلام لعام 2015 وقد شكل استئناف العلاقات وتبادل السفراء وفتح المجال الجوي في يوليو 2026 خطوة مهمة في اتجاه تخفيف حدة التوتر، خصوصًا أن الحدود المشتركة بين البلدين تمثل مجالًا جغرافيًا حساسًا تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والسياسية والاجتماعية.

وتشير هذه الخطوة إلى إدراك الطرفين أن استمرار القطيعة لم يعد قادرًا على التعامل مع التحديات المشتركة، خاصة في ظل تصاعد نشاط الجماعات المسلحة في منطقة الساحل وشمال مالي. فالتحديات الأمنية العابرة للحدود تجعل الاتصال المباشر بين باماكو والجزائر ضرورة عملية، حتى في ظل استمرار الخلافات بشأن عدد من الملفات الإقليمية ومن ثم، فإن عودة العلاقات لا يمكن تفسيرها باعتبارها مصالحة سياسية شاملة، بقدر ما تمثل محاولة للانتقال من إدارة الخلافات عبر القطيعة إلى إدارتها من خلال الحوار والاتصال المباشر.

ولا تزال التباينات قائمة بين الطرفين بشأن عدد من القضايا، وفي مقدمتها اتفاق الجزائر والموقف من قضية الصحراء الغربية، خاصة في ظل توجه مالي نحو دعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي ولذلك فإن المسار الجديد يمكن وصفه بأنه تعايش حذر يستند إلى الفصل النسبي بين القضايا الخلافية والمصالح المشتركة ويعكس ذلك تحولًا في أدوات السياسة الخارجية المالية من المواجهة السياسية المباشرة إلى استخدام الدبلوماسية بهدف تقليل الخسائر وتعزيز القدرة على التعامل مع المخاطر المشتركة.

وفي السياق نفسه، عكست زيارة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف إلى باماكو في 12 يوليو 2026 رغبة متبادلة في إبقاء قنوات التواصل بين مالي والمؤسسة القارية مفتوحة، رغم استمرار التوترات المرتبطة بالمرحلة الانتقالية وتحمل هذه الزيارة أهمية سياسية تتجاوز بعدها البروتوكولي، لأنها تؤكد استمرار اهتمام الاتحاد الأفريقي بالتطورات المالية وبالوضع الأمني في منطقة الساحل، فضلًا عن سعيه إلى الحفاظ على إمكانية العودة التدريجية لمالي إلى الأطر القارية.

تصاعد التهديدات الأمنية 

يمثل الوضع الأمني العامل الأكثر تأثيرًا في إعادة تشكيل السياسة الخارجية المالية، إذ تواجه البلاد تحديات متزايدة نتيجة تصاعد نشاط الجماعات المسلحة، وفي مقدمتها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد. وقد أظهرت التطورات الميدانية خلال عام 2026 قدرة هذه الجماعات على تنفيذ عمليات أكثر تنظيمًا وتنسيقًا، والتحرك عبر مساحات جغرافية متعددة، بما يزيد من الضغوط الواقعة على القوات المالية ويكشف صعوبة تحقيق استقرار أمني مستدام في ظل البيئة الحالية.

وتشير طبيعة العمليات المسلحة إلى تغير نسبي في أساليب الجماعات المناوئة لباماكو، إذ لم تعد تركز فقط على الهجمات المحدودة ضد المواقع العسكرية، وإنما تسعى إلى توسيع نطاق نشاطها والضغط على طرق الإمداد والمراكز السكانية ومناطق النفوذ المختلفة وقد كشفت الهجمات المنسقة التي شهدتها مالي خلال عام 2026 عن قدرة هذه الجماعات على استغلال الثغرات في الانتشار العسكري، وفتح جبهات متعددة، وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا أمام قدرة القوات المالية على تأمين المناطق الشمالية والوسطى.

وفي ظل هذه التحديات، اتجهت باماكو بصورة متزايدة إلى روسيا باعتبارها شريكًا أمنيًا رئيسيًا، خصوصًا بعد تراجع علاقاتها مع فرنسا وانسحاب بعثة الأمم المتحدة وبعثات التدريب الأوروبية وانتقلت مالي من الاعتماد على الشراكات الأمنية الغربية إلى الاعتماد بدرجة أكبر على الدعم الروسي، أولًا من خلال مجموعة فاغنر ثم عبر الفيلق الأفريقي. وقد ارتبط هذا التحول برغبة واضحة في تعزيز استقلال القرار الأمني وتقليل الاعتماد على القوى الغربية.

إلا أن استمرار الهجمات المسلحة واتساع نطاقها يكشف في الوقت ذاته عن حدود المقاربة الأمنية الروسية فرغم الدعم العسكري والتسليحي الذي حصلت عليه باماكو، لم تتمكن الترتيبات الأمنية الجديدة من إنهاء التهديدات الإرهابية والانفصالية بصورة حاسمة. وهذا لا يعني بالضرورة فشل الشراكة الروسية، وإنما يؤكد أن طبيعة الأزمة المالية تتجاوز الحل العسكري المباشر، لتشمل عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية وجغرافية معقدة.

وفي هذا السياق، بدأت باماكو في إظهار قدر أكبر من المرونة تجاه الولايات المتحدة، بما يعكس رغبة في تنويع خياراتها الأمنية وعدم الاعتماد على شريك واحد. وقد ساهم رفع العقوبات عن عدد من المسؤولين العسكريين الماليين في فبراير 2026 في توفير مساحة جديدة لاستئناف الاتصالات، إلى جانب بحث إمكانات التعاون في مجالات المراقبة الجوية ومكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات.

الترابط الاقتصادي مع دول الجوار 

تكشف التطورات المالية عن مفارقة أساسية في منطقة الساحل تتمثل في استمرار الترابط الاقتصادي رغم تصاعد الخلافات السياسية. فمالي، بوصفها دولة غير ساحلية، تعتمد بدرجة كبيرة على دول الجوار في الوصول إلى الموانئ والأسواق الدولية، وتأمين تدفق السلع والوقود، وربط اقتصادها بشبكات النقل الإقليمية ولذلك فإن أي قطيعة سياسية شاملة مع الدول المحيطة ستكون لها انعكاسات مباشرة على الاقتصاد المالي، وهو ما يفرض على باماكو الإبقاء على قنوات للتعاون حتى مع الدول التي تختلف معها سياسيًا.

وتبرز السنغال في هذا السياق باعتبارها أحد أهم الشركاء الاقتصاديين لمالي، خصوصًا في ظل الدور الذي يؤديه ميناء داكار في حركة التجارة المالية. كما أن أمن محور كاي - باماكو يمثل مصلحة مشتركة، نظرًا إلى أهمية الطريق في نقل السلع والأفراد. وقد بلغ حجم التجارة الثنائية بين البلدين نحو 1.31 مليار دولار عام 2024، بما يعكس عمق المصالح الاقتصادية التي تتجاوز الخلافات السياسية.

ويكشف استمرار هذه العلاقات عن أن المصالح الاقتصادية قد تفرض مستويات من التعاون لا تستطيع الخلافات السياسية إلغاءها فالتوترات بين باماكو وبعض دول غرب أفريقيا لم تؤد إلى انهيار كامل في شبكات التجارة، بل دفعت الأطراف إلى البحث عن ترتيبات أكثر مرونة تسمح باستمرار حركة السلع والخدمات. ويكتسب ذلك أهمية أكبر في ظل الضغوط التي تفرضها الجماعات المسلحة على الطرق التجارية، والتي تهدد بصورة مباشرة الاستقرار الاقتصادي للدولة.

وينطبق الأمر نفسه على علاقات مالي مع الجزائر وموريتانيا وغينيا وساحل العاج، إلى جانب بقية دول المنطقة فالأمن الإقليمي والتجارة والهجرة والطاقة والموارد المائية تمثل ملفات متداخلة تجعل التعاون بين دول الساحل والدول الساحلية ضرورة عملية ومن ثم، فإن الخلافات السياسية لا تؤدي بالضرورة إلى وقف التعاون، بل تدفع إلى تحويله من تعاون شامل إلى ترتيبات محددة تركز على المصالح المشتركة.

كما أن انسحاب مالي إلى جانب بوركينا فاسو والنيجر من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا وتشكيل تحالف دول الساحل لم يؤد إلى إنهاء شبكات الاعتماد الاقتصادي القائمة فما تزال هناك علاقات اقتصادية ومالية ومشروعات بنية تحتية تربط دول الساحل بمحيطها الأوسع ويؤكد ذلك أن الجغرافيا الاقتصادية أكثر قدرة على الاستمرار مقارنة بالترتيبات السياسية، وأن العلاقات التجارية قد تظل قائمة حتى في ظل التباعد السياسي.

وتكتسب مشروعات النقل والممرات التجارية أهمية متزايدة في هذه المرحلة، خاصة مع تعرض بعض الطرق التقليدية للاضطرابات الأمنية ويبرز ممر أبيدجان - واجادوجو -باماكو إلى جانب المسارات المرتبطة بغينيا والموانئ الساحلية، باعتبارها بدائل يمكن أن تساعد مالي على تقليل اعتمادها على مسار واحد. كما أن استمرار اضطرابات الوقود والإمدادات يعزز توجه باماكو نحو تنويع المنافذ اللوجستية.

نحو دبلوماسية مالية أكثر 

تسمح مجمل التطورات السابقة بالقول إن مالي تتجه نحو نمط أكثر براغماتية في إدارة علاقاتها الخارجية، يقوم على تنويع الشراكات والفصل النسبي بين الخلافات السياسية والمصالح العملية فباماكو لا تبدو مستعدة للتراجع عن خياراتها السيادية أو التخلي عن شراكتها مع روسيا، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن الضغوط الأمنية والاقتصادية تفرض عليها توسيع دائرة الشركاء وعدم الاعتماد على طرف واحد.

ويمنح هذا النهج مالي قدرة أكبر على المناورة في بيئة إقليمية مضطربة. فالعلاقة مع الجزائر ترتبط بصورة أساسية بأمن الحدود وتطورات شمال مالي، بينما يرتبط التواصل مع السنغال بالمصالح التجارية وطرق الإمداد، ويتيح الانفتاح على الاتحاد الأفريقي الحفاظ على مساحة داخل المنظومة القارية، في حين يمكن للعلاقة مع الولايات المتحدة أن توفر إمكانات إضافية في مجالات الاستخبارات والمراقبة والتكنولوجيا والاقتصاد وفي الوقت نفسه، تظل روسيا شريكًا رئيسيًا في المجال العسكري.

وتشير هذه المعادلة إلى أن باماكو لا تبحث عن استبدال تحالف بآخر، وإنما عن توزيع وظائف الشراكات الخارجية ويعكس ذلك تحولًا مهمًا في مفهوم السياسة الخارجية المالية، من سياسة تعتمد على الاصطفاف إلى سياسة تقوم على تعدد المسارات وتسمح هذه المقاربة لباماكو بالحصول على الدعم من أطراف مختلفة، مع المحافظة على استقلالية القرار السياسي وعدم الارتهان لعلاقة خارجية واحدة.

كما يعكس هذا المسار تراجعًا نسبيًا في قدرة المؤسسات الإقليمية التقليدية على إدارة الخلافات بين دول غرب أفريقيا ولذلك أصبحت العلاقات الثنائية أكثر أهمية في حسابات باماكو، خاصة في الملفات المرتبطة بالأمن والتجارة والطاقة والنقل وتظهر هذه السياسة في محاولات تعزيز العلاقات مع غينيا وساحل العاج، بما يساعد على تخفيف الضغوط الناتجة عن أزمة الوقود واضطراب بعض طرق الإمداد.

وتحاول باماكو كذلك الاستفادة من موقعها الجغرافي في بناء مسارات بديلة للتجارة، وهو ما يجعل العلاقات مع الدول الساحلية ذات أهمية استراتيجية متزايدة فغينيا، على سبيل المثال تمثل منفذًا محتملًا لتعزيز الخيارات اللوجستية، في حين توفر العلاقات مع ساحل العاج والسنغال بدائل إضافية في مجال التجارة والنقل. ومن شأن هذا التنويع أن يقلل من قدرة الأزمات السياسية في دولة واحدة على التأثير بصورة مباشرة في الاقتصاد المالي.

غير أن نجاح هذه السياسة يظل مرتبطًا بقدرة باماكو على معالجة جذور التهديدات الأمنية داخليًا فتنويع العلاقات الخارجية يمكن أن يوفر الدعم والمعدات والموارد، لكنه لا يمثل بديلًا عن بناء مؤسسات أمنية أكثر قدرة على فرض السيطرة على الأراضي وحماية السكان والممرات التجارية كما أن استمرار الاعتماد الكبير على الدعم الخارجي قد يتحول إلى نقطة ضعف إذا لم يترافق مع بناء قدرات وطنية مستقلة ومستدامة.

خاتماً: تظهر التحولات التي شهدتها السياسة الخارجية المالية خلال يوليو 2026 أن باماكو تمر بمرحلة إعادة تموضع تدريجي داخل محيطها الإقليمي والدولي فقد عكست عودة العلاقات مع الجزائر، والانفتاح على الاتحاد الأفريقي، واستمرار التواصل مع السنغال، وإعادة بناء قنوات الاتصال مع الولايات المتحدة، اتجاهًا واضحًا نحو توسيع هامش الحركة الخارجية، دون التخلي عن الشراكة الأمنية مع روسيا ويشير ذلك إلى انتقال نسبي من سياسة القطيعة والاصطفاف إلى سياسة أكثر براغماتية تقوم على إدارة الخلافات وتوظيف العلاقات الخارجية وفقًا للمصالح المباشرة.

وفي المقابل، يظل العامل الأمني هو المحدد الأهم لهذه السياسة، في ظل استمرار نشاط الجماعات المسلحة وتوسع قدرتها على استغلال الثغرات الأمنية وقد كشفت التطورات الميدانية عن أن الشراكة الروسية، رغم أهميتها، لم تحقق حتى الآن حسمًا نهائيًا للتهديدات، الأمر الذي دفع باماكو إلى التفكير بصورة أكبر في تنويع خياراتها الأمنية والاستخباراتية.

كما أكدت العلاقات الاقتصادية أن مالي لا تستطيع الانفصال عن محيطها الإقليمي بسبب موقعها الجغرافي واعتمادها على الموانئ والطرق التجارية للدول المجاورة ولذلك فإن التعاون مع السنغال وغينيا وساحل العاج وموريتانيا والجزائر سيظل ضرورة عملية حتى في ظل استمرار الخلافات السياسية ومن هنا، أصبحت حماية طرق التجارة وتأمين الممرات اللوجستية وتنويع المنافذ جزءًا أساسيًا من مفهوم الأمن القومي المالي.

 

المصدر: المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

الكاتب : نسرين الصباحى

التاريخ : 26/8/2026

------------------------------------------------------------------------------------------

المصدر: صحيفة بحر العرب

التاريخ : 24/8/2026


المقالات الأخيرة