إعادة تعريف مفاهيم الردع في الحرب في عصر الذكاء الاصطناعي
فرع بنغازي

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتعزيز القدرات العسكرية وصنع القرار، بل تحول إلى ساحة صراع بحد ذاته. ففي عالم تدار فيه الأزمات عبر البيانات والخوارزميات، قد لا يُقوض الردع بالقوة النارية، بل بتشويه المعلومات وإرباك العقول قبل اندلاع أي مواجهة. هذا التحول الجوهري يحمل تداعيات عميقة على الاستقرار الاستراتيجي؛ فعندما تتلاشى الثقة الدنيا بين القوى الكبرى، يمكن حتى للإجراءات الدفاعية أو التحذيرية أن تُفسَّر على أنها أعمال عدوانية، مما يزيد من احتمالات التصعيد غير المقصود.

انطلاقاً من هذه المعطيات، تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مركزية: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف مفاهيم الردع التقليدية؟ وما هي التداعيات الاستراتيجية لهذا التحول على الاستقرار الدولي؟

وللإجابة عن هذه الإشكالية، تعتمد الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، بالاستناد إلى الأدبيات الأكاديمية المتخصصة، والتقارير الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث الدولية، والتحليلات التي تناولت أثر الذكاء الاصطناعي على نظريات الردع والأمن القومي.

ثانياً: الإطار المفاهيمي - الردع في النظرية الكلاسيكية

2.1 تعريف الردع

يُعرَّف الردع، في صياغته الكلاسيكية التي بلورها توماس شيلنغ، بأنه استراتيجية قسرية تجمع بين التهديدات المصدوقة والضمانات لمنع الخصم من اتخاذ إجراء غير مرغوب فيه. وهو يختلف عن الإكراه (Compellence) في علاقته بالوضع القائم؛ فبينما يهدف الردع إلى الحفاظ عليه، تسعى استراتيجيات الإكراه إلى تغيير سلوك غير مرغوب بدأ بالفعل. ويتوقف نجاح الردع على عنصرين أساسيين: القدرة العسكرية والعزم السياسي؛ فالردع لا يتحقق بمجرد امتلاك القوة، بل يتطلب إقناع الخصم بأن هذه القوة ستُستخدم عند الضرورة.

2.2 أسس الاستقرار الاستراتيجي في عصر الردع النووي

قامت نظرية الردع الكلاسيكية على افتراضات راسخة، أبرزها ما ذهب إليه كينيث والتز من أن الأسلحة النووية هي الضامن الأقصى لبقاء الدولة، لأنها تستحث الحذر والضبط. ففي منظور والتز، فإن الأسلحة النووية تجعل الحروب أقل احتمالاً لأنها ترتبط باستراتيجيات ردع تعد بتدمير أكبر مما تعد به استراتيجيات خوض الحروب. والخوف من التصعيد ومزايا عدم المبادرة بالهجوم يعنيان أن الأسلحة النووية تعكس منطق الحروب التقليدية. وقد شكلت هذه الافتراضات ما وصفه بعض الباحثين بـ"العصر النووي الأول".

إلا أن فعالية الردع النووي التقليدي الذي حكم العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية باتت تواجه أزمة حقيقية، إذ لم يعد امتلاك السلاح النووي كافياً لمنع الخصوم من تنفيذ هجمات عسكرية مؤلمة. وقد أظهرت الصراعات الأخيرة أن دولاً وجماعات مسلحة باتت أكثر استعداداً لاختبار حدود القوة النووية واستهداف مصالح الدول المالكة لهذا السلاح دون خوف جدي من رد نووي.

ثالثاً: الذكاء الاصطناعي كعامل مغير لقواعد اللعبة الاستراتيجية

3.1 النطاق المتسارع للذكاء الاصطناعي العسكري

يؤدي الذكاء الاصطناعي دوراً متزايداً في تخطيط العمليات العسكرية ودعمها، وأصبح يمثل أداة رئيسة في جميع عمليات الدفاع والردع، إضافة إلى تطبيقاته العديدة في مجالات الأسلحة الحديثة، مثل الأنظمة المستقلة والمركبات من دون طيار. ومع تسارع تطور هذه التقنيات، يزداد حضور الذكاء الاصطناعي بوصفه عاملاً قادراً على إعادة صياغة طريقة استجابة الدول للتهديدات.

وقد انتقلت ساحات الصراع من الحيز المادي إلى الفضاء السيبراني، حيث أصبحت الأنظمة الذكية - من الطائرات المسيرة إلى الخوارزميات ذاتية التعلم - تشارك في عمليات الاستهداف والتحليل واتخاذ القرار، بدرجة تتجاوز القدرات البشرية في السرعة والدقة. وهذه التحولات لا تقتصر على الجانب التقني فحسب، بل تمتد إلى إعادة تعريف مفاهيم الردع والسيادة وحتى الأخلاق العسكرية.

3.2 آليات تأثير الذكاء الاصطناعي على الردع

يمكن حصر آليات تأثير الذكاء الاصطناعي على منظومة الردع في أربعة مسارات رئيسة:

أولاً: ضغط أطراف صنع القرار. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسرّع عملية اتخاذ القرار، ويعزز الإنذار الاستراتيجي، ويحسن الاستهداف، إلا أنه يفتح الباب أيضاً أمام أشكال جديدة من المخاطر. فالسرعة التي توفرها الأنظمة الذكية قد تدفع نحو التصعيد قبل اكتمال التقييم البشري للتداعيات، مما يخلق نافذة خطر لا يستوعبها المنطق التقليدي للردع.

ثانياً: غموض الخوارزميات. يشكل "الصندوق الأسود" للذكاء الاصطناعي تحدياً وجودياً لمصداقية الردع. فالاعتماد على أنظمة لا يمكن تتبع منطقها بالكامل يجعل من الصعب على الخصوم قراءة النوايا وتقييم التهديدات بدقة. وكما تشير الأدبيات المتخصصة، فإن الذكاء الاصطناعي لا يعمل في فراغ مفاهيمي؛ بل تعتمد آثار دمجه على الافتراضات الاستراتيجية التي توجه استخدامه، مما قد يجعل عمليات صنع القرار المدعومة بالذكاء الاصطناعي أكثر عدم قابلية للتنبؤ، لا سيما في السياقات النووية شديدة الحساسية.

ثالثاً: إعادة تشكيل القدرات الهجومية. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهل على الدولة تدمير الترسانة النووية لخصمها بالكامل في "ضربة أولى ساحقة" من خلال تحديد مواقع الغواصات النووية والقاذفات المتنقلة بدقة متناهية. وهذا يهدد الركيزة الأساسية للردع النووي - وهي القدرة على الرد بضربة ثانية مدمرة - مما قد يشجع على المغامرة بالهجوم الاستباقي.

رابعاً: تعزيز قدرات الخداع. يرى بعض المحللين، مثل إدوارد غايست، أن الذكاء الاصطناعي قد يعزز فعالية الخداع العسكري. فبدلاً من تمكين الوعي الميداني المثالي (وبالتالي جعل استراتيجيات القوة المضادة أكثر نجاحاً، مما قد يقوض الردع)، قد يعمل الذكاء الاصطناعي كـ"آلة لضبابية الحرب"، مما قد يمكن الردع النووي من الصمود.

رابعاً: الردع بين التماسك والانهيار - السيناريوهات المحتملة

4.1 سيناريو تعزيز الردع

يرى بعض الباحثين أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون قوة استقرار إذا ما تم توظيفه بحكمة. فالأنظمة الذكية قد تحسن جودة الاستخبارات، وتسّرع عمليات التقييم، وتوحّد صنع القرار، وتقلل هامش الخطأ البشري. كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تعزيز الردع من خلال تحسين قدرات الإنذار المبكر، وتمكين التنسيق متعدد المجالات، ودعم استراتيجيات الردع الاستباقي.

ويشير بعض المحللين إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يُدمج بشكل مفيد في الاستراتيجية العسكرية لتحقيق استقرار الردع، شريطة الاعتراف الواعي بقصوره، مع حوار دولي متزامن حول قواعد جديدة. وفي هذا السياق، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز مصداقية الردع من خلال تحسين دقة التهديدات وإظهار القدرة على الرد السريع والمتناسب.

4.2 سيناريو تقويض الردع

في المقابل، ثمة مخاطر جدية قد تقوض أحد أهم أعمدة الاستقرار الاستراتيجي الدولي. فالذكاء الاصطناعي قد يفسر التهديد بشكل خاطئ أو يثير تصعيداً غير ضروري. وقد حذرت دراسات متعددة من أن دمج الذكاء الاصطناعي في البروتوكولات النووية وخطط الحرب ينطوي على خطر الكبت الكارثي للعقل البشري في الردع النووي.

وتتفاقم هذه المخاطر في سياق سباق التسلح في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث يسعى كل طرف إلى عدم التخلف عن الآخر، مما يسرّع وتيرة التحديث العسكري ويكثف معضلة الأمن. وكما لاحظ بعض الباحثين، فإن الذكاء الاصطناعي العسكري يخلق خطر "الحرب الخاطفة" التي لم يقصدها أي من طرفي النزاع، نظراً لأن الأنظمة المستقلة قد تُنشر بشكل يؤدي إلى تصعيد لا يمكن السيطرة عليه.

4.3 معضلة الاستقرار في العصر الثالث

يشير بعض الباحثين إلى أننا ندخل فيما يُسمى "العصر النووي الثالث"، حيث يفترض المنطق الواقعي للردع أن التهديد بالتدمير المتبادل يدفع الفاعلين العقلانيين إلى التصرف بحذر، إلا أن الذكاء الاصطناعي يعطل ذلك بإضافة السرعة والغموض والتحيزات الخوارزمية إلى عمليات صنع القرار. والنتيجة هي أن التفسيرات المتباينة للردع قد تجعل عملية صنع القرار المدعومة بالذكاء الاصطناعي أكثر عدم قابلية للتنبؤ، لا سيما في السياقات النووية شديدة الحساسية.

خامساً: البعد السيبراني - الردع في الفضاء الرقمي

5.1 تحديات الردع السيبراني

تواجه قوة الردع في حلف شمال الأطلسي اختبارات تاريخية في المجالات الحركية والرقمية، إذ جلبت الحرب في أوكرانيا ما يسمى بمصطلح "الحرب الهجينة" إلى الواجهة، وتزامنت مع ارتفاع مطرد في العمليات السيبرانية التي تستهدف الأعضاء والحلفاء. وقد زادت الهجمات ضد المدنيين والبنية الأساسية الحيوية، على الرغم من الإجماع العالمي المتزايد على أن مثل هذه الهجمات تنتهك القانون الإنساني الدولي.

وتواجه نظرية الردع تحديات كبيرة في الفضاء السيبراني، نابعة من عدم التطابق الأساسي بين النظرية وخصائص الحرب السيبرانية. فصعوبة نسب الهجمات، وسرعة تنفيذها، وانخفاض تكلفتها، وتعدد الجهات الفاعلة (بما في ذلك الجهات غير الحكومية) تجعل استراتيجيات الردع التقليدية - القائمة على التهديد بالردع - أقل فعالية بشكل ملحوظ.

5.2 الذكاء الاصطناعي كعامل مضاعف

يعمل الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي على تعزيز الهجمات السيبرانية والردع السيبراني على حد سواء، مع إمكانية تغيير مستقبل الحرب الهجينة. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يُستخدم لأتمتة الهجمات السيبرانية، وجعلها أكثر تطوراً وصعوبة في الكشف، كما يمكن استخدامه لتعزيز قدرات الدفاع والكشف والاستجابة. غير أن هذا التسارع في القدرات الهجومية والدفاعية يخلق بيئة استراتيجية أكثر تعقيداً، حيث يصبح من الصعب الحفاظ على استقرار الردع.

سادساً: نحو إعادة تعريف الردع في عصر الذكاء الاصطناعي

6.1 من الردع بالتهديد إلى الردع بالإدراك

الرهان في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد على السلاح وحده، بل على السيطرة على المعلومات والإدراك، باعتبارهما ساحة الصراع الحاسمة للردع في المستقبل. فهذا التحول يعيد تعريف الردع نفسه؛ إذ لم يعد الردع قائماً على التهديد بالقوة فحسب، بل بات يعتمد بشكل متزايد على القدرة على تشكيل إدراك الخصم للواقع، والتأثير في حساباته للمخاطر، وزرع الشك في قدراته وأنظمته.

6.2 تحديات المصداقية في عصر الخوارزميات

تعتمد مصداقية الردع على الإشارات التي ترسلها الدول حول جاهزيتها وقدرتها وسرعة استجابتها. غير أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يخلق معضلة مصداقية جديدة: كيف يمكن للدولة أن تجعل تهديداتها مصدوقة عندما يعلم الخصم أن القرار النهائي قد يُتخذ بواسطة خوارزمية لا يمكن التنبؤ بمنطقها بالكامل؟ وكيف يمكن بناء الثقة عندما تكون أنظمة الإنذار والردع عرضة للاختراق أو التضليل؟

6.3 الحوكمة الدولية كضرورة استراتيجية

تشير الأدبيات المتخصصة إلى الحاجة الملحة إلى آليات جديدة للحوكمة الدولية وبروتوكولات لإدارة الأزمات لمواجهة المخاطر الفريدة التي تشكلها الأنظمة النووية المعززة بالذكاء الاصطناعي. وتشمل الأولويات في هذا السياق: بروتوكولات الشفافية في نشر أنظمة الذكاء الاصطناعي العسكرية، وتدابير بناء الثقة بين القوى الكبرى، والحوار الدولي حول وضع قواعد جديدة للردع في العصر الرقمي.

سابعاً: الخاتمة والتوصيات

يقف مفهوم الردع اليوم أمام منعطف تاريخي. فبعد أن كان الردع النووي لعقود الضامن الأكثر رسوخاً للاستقرار الاستراتيجي، أصبح الذكاء الاصطناعي يهدد أسس هذا الاستقرار من خلال تضييق أطراف صنع القرار، وإضفاء الغموض على نوايا الخصوم، وتمكين قدرات هجومية دقيقة تهدد الضربة الثانية، وخلق بيئة استراتيجية تتسم بعدم اليقين غير المسبوق.

غير أن الذكاء الاصطناعي ليس قدراً محتوماً، بل هو أداة تعتمد نتائجها على الكيفية التي تُستخدم بها. فكما يمكن أن يكون مصدراً لعدم الاستقرار، يمكن - إذا ما تم تسخيره بحكمة - أن يعزز الردع من خلال تحسين الاستخبارات، وتسريع الاستجابة، وتقليل الأخطاء البشرية. لكن تحقيق ذلك يتطلب وعياً استراتيجياً عميقاً بالمخاطر، واستعداداً للتعاون الدولي في وضع قواعد جديدة، وإدراكاً بأن الردع في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مسألة تقنية، بل أصبح سؤالاً وجودياً حول مستقبل الأمن الدولي ذاته.

وعلى صعيد المنطقة العربية، تبرز الحاجة إلى تعزيز القدرات الوطنية في مجال الذكاء الاصطناعي العسكري والأمني، مع مواكبة التطورات العالمية في نظريات الردع والاستقرار الاستراتيجي. فالانخراط في النقاش الدولي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي العسكري، وبناء الشراكات مع مراكز الأبحاث المتخصصة، وتطوير الكوادر الوطنية المؤهلة، كلها خطوات ضرورية لضمان أن تكون الدول العربية فاعلة في تشكيل ملامح النظام الاستراتيجي الجديد، لا مجرد متلقية له.

المراجع:

أحمد، رائد شهاب (2026). "الدفاع، والإسناد، والمعاقبة: ردع الحرب السيبرانية في عصر الذكاء الاصطناعي". مجلة كلية القانون والعلوم السياسية، العدد 31، ص 369-7.

خليفة، إيهاب (2025). الحرب في عصر الذكاء الاصطناعي. مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة.

المقالات الأخيرة