يُعتبر تغير المناخ بلا شك أحد أكبر التهديدات الوجودية التي تواجه البشرية في عصرنا الحالي. وقد أظهرت البيانات الحديثة أن السنوات الأحد عشر الماضية (2015-2025) كانت الأعلى حرارة على الإطلاق منذ بدء تسجيل درجات الحرارة قبل 176 عاماً، حيث بلغ متوسط درجة الحرارة في الفترة من يناير إلى أغسطس 2025 حوالي 1.42 درجة مئوية فوق متوسط ما قبل الثورة الصناعية. وتُترجم هذه الزيادة الحرارية إلى عواقب وخيمة على المحيطات، أبرزها ارتفاع مستوى سطح البحر بسبب ذوبان الصفائح الجليدية والتمدد الحراري للمياه.
تشير التقديرات العلمية إلى أن مستوى سطح البحر العالمي قد يرتفع بحلول عام 2100 بنسبة تتراوح بين 0.3 متر في السيناريوهات المنخفضة للانبعاثات إلى أكثر من 1.9 متر في السيناريوهات العالية للانبعاثات. وقد قدّرت دراسة حديثة نُشرت عام 2025 أن ما بين 4 ملايين و72 مليون شخص قد يضطرون إلى الهجرة بسبب الفيضانات الساحلية بحلول عام 2100، مع خسارة صافية في الأراضي تتراوح بين 2800 و490 ألف كيلومتر مربع.
غير أن تداعيات ارتفاع مستوى سطح البحر لا تقتصر على الجوانب البيئية والإنسانية فحسب، بل تمتد لتشمل إعادة تعريف للحدود البحرية ذاتها. فالمادة 5 من اتفاقية UNCLOS تنص على أن خط الأساس العادي هو "خط انخفاض الماء على طول الساحل كما هو مبين على الخرائف البحرية واسعة النطاق"، مما يعني أن خط الأساس مرتبط مادياً بالساحل الفعلي. ولكن ماذا يحدث عندما يتغير هذا الساحل بفعل ارتفاع مستوى سطح البحر؟ هل تلتزم الدول بتعديل حدودها البحرية الداخلية؟ وإذا تقلصت أراضي دولة جزرية صغيرة أو غمرتها المياه بالكامل، فهل تفقد تلك الدولة سيادتها وعضويتها في الأمم المتحدة؟
هذه الأسئلة لم تكن مطروحة عند صياغة اتفاقية UNCLOS في عام 1982، أي قبل أن تتبلور الأدلة العلمية حول تغير المناخ. وقد خلقت هذه الفجوة الزمنية حالة من عدم اليقين القانوني تتفاقم يوماً بعد يوم مع تسارع وتيرة التغيرات المناخية. تهدف هذه الورقة إلى تحليل التحديات القانونية الناجمة عن ارتفاع مستوى سطح البحر فيما يتعلق بالحدود البحرية، واستعراض التطورات القانونية الأخيرة على الصعيدين القضائي والتشريعي، وصولاً إلى استشراف السبل الممكنة لإعادة تعريف هذه الحدود في ضوء المتغيرات الجديدة.
ثانياً: الأساس العلمي لارتفاع مستوى سطح البحر
2.1 أحدث التوقعات والسيناريوهات
يعتمد الفهم العلمي لارتفاع مستوى سطح البحر على التقييمات الدورية التي تصدرها الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC). في تقرير التقييم السادس (AR6) الصادر عام 2021، قُدمت توقعات لارتفاع مستوى سطح البحر حتى عام 2100 في ظل سيناريوهات مختلفة لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري. وتشير التقديرات إلى أنه بحلول عام 2050، من المرجح أن يتراوح ارتفاع مستوى سطح البحر العالمي بين 0.15 و0.32 متر في السيناريو المنخفض للغاية (SSP1-1.9).
غير أن الدراسات الحديثة تشير إلى أن النماذج التقليدية قد تكون متحفظة. فطريقة جديدة قائمة على تقرير AR6 تتوقع أنه من "المرجح جداً" أن يصل مستوى سطح البحر العالمي إلى 1.9 متر بحلول عام 2100 في ظل سيناريو الانبعاثات المرتفعة. وقد وجدت دراسة نُشرت في مارس 2025 أن مستوى سطح البحر الساحلي العالمي أعلى في المتوسط بنحو 0.3 متر مما كان يُفترض سابقاً، وتصل الزيادة في بعض المناطق مثل جنوب شرق آسيا إلى مستويات أعلى.
2.2 الآثار المتوقعة على السواحل والدول الجزرية
تختلف الآثار المترتبة على ارتفاع مستوى سطح البحر بشكل كبير بين منطقة وأخرى. فبينما تستطيع بعض الدول حماية سواحلها من خلال بناء حواجز بحرية وحلول هندسية متطورة، تواجه دولاً أخرى - لا سيما الدول الجزرية الصغيرة النامية (SIDS) - تهديداً وجودياً حقيقياً. فقد قدرت دراسة حديثة أن دول المحيط الهادئ ستواجه ما لا يقل عن 15 سنتيمتراً من ارتفاع مستوى سطح البحر في العقود الثلاثة المقبلة، بغض النظر عن مدى نجاح جهود خفض الانبعاثات.
وتشير تقديرات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن ارتفاع مستوى سطح البحر سيؤدي إلى "أضرار طويلة الأمد" للنظم الإيكولوجية البحرية والاقتصادات الساحلية، مما يشكل تهديداً وجودياً لدول مثل توفالو وكيريباتي وجزر مارشال. كما أن تآكل السواحل وزيادة حدة العواصف وتدهور البنية التحتية والموارد المائية العذبة تفاقم معاناة هذه الدول التي ساهمت بنسبة 0.03% فقط من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية.
ثالثاً: الإطار القانوني للحدود البحرية في ظل استقرار مستوى سطح البحر
3.1 مفهوم خطوط الأساس في اتفاقية UNCLOS
تُعتبر خطوط الأساس حجر الزاوية في نظام المناطق البحرية في القانون الدولي. فهي النقطة المرجعية التي تُقاس منها جميع المناطق البحرية: البحر الإقليمي (12 ميلاً بحرياً)، والمنطقة المتاخمة (24 ميلاً بحرياً)، والمنطقة الاقتصادية الخالصة (200 ميل بحري)، والجرف القاري. وفقاً للمادة 5 من اتفاقية UNCLOS، فإن خط الأساس العادي هو "خط انخفاض الماء على طول الساحل كما هو مبين على الخرائط البحرية واسعة النطاق". أما المادة 7 فتنص على إمكانية استخدام خطوط الأساس المستقيمة في الظروف التي يكون فيها الساحل متعرجاً أو توجد جزر على طول الساحل.
المشكلة الجوهرية أن نصوص UNCLOS صيغت في عصر كانت فيه معادلة "خط الأساس = الساحل الفعلي" مسلّماً بها، إذ لم يكن تغير المناخ وارتفاع مستوى سطح البحر مطروحين على طاولة المفاوضات. وقد أشارت المحكمة الدولية لقانون البحار (ITLOS) والمحكمة الدولية للعدل (ICJ) إلى أن الاتفاقية تقوم على "افتراض استقرار مستوى سطح البحر العالمي".
3.2 فكرة "خطوط الأساس المتحركة" (Ambulatory Baselines) مقابل "خطوط الأساس الثابتة" (Fixed Baselines)
في ظل الغموض الذي تكتنفه نصوص UNCLOS، تبلور رأيان فقهيان متعارضان:
الرأي الأول يتبنى ما يُعرف بـ"خطوط الأساس المتحركة"، ويرى أن خطوط الأساس يجب أن تتحرك إلى الداخل مع تراجع الساحل الطبيعي، لأن المادة 5 تتحدث عن خط الأساس "كما هو مبين" وليس "كما كان مبيناً". هذا الرأي يتماشى مع التفسير الحرفي للنص، لكنه يؤدي إلى عواقب كارثية على الدول الجزرية الصغيرة التي قد تفقد تدريجياً مناطقها الاقتصادية الخالصة الشاسعة مع تقلص سواحلها.
الرأي الثاني يتبنى ما يُعرف بـ"تجميد خطوط الأساس" أو "خطوط الأساس الثابتة"، ويرى أنه بمجرد أن تودع الدولة خرائطها وإحداثياتها الجغرافية لدى الأمين العام للأمم المتحدة وفقاً لأحكام UNCLOS، فإن هذه الحدود تصبح نهائية وثابتة ولا يجوز تعديلها بسبب تغيرات مادية لاحقة. هذا الرأي يستند إلى مبادئ الاستقرار القانوني وحسن النية والأمن القانوني، وقد حظي بدعم متزايد في السنوات الأخيرة.
3.3 الفجوات القانونية في الاتفاقية
تتجلى الفجوات القانونية في اتفاقية UNCLOS في عدة جوانب. أولاً، غياب أي حكم يتناول تأثير تغير المناخ أو ارتفاع مستوى سطح البحر على الحدود البحرية. ثانياً، عدم وجود آلية واضحة لتعديل خطوط الأساس عند حدوث تغيرات جغرافية كبيرة. ثالثاً، غياب حكم يحدد مصير الدولة التي تفقد أراضيها بالكامل بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر. هذه الفجوات جعلت من الضروري تطوير القانون الدولي عبر التفسير القضائي والممارسة الدولية والتطور التدريجي للقانون العرفي.
رابعاً: التطورات القانونية الأخيرة
4.1 فتوى محكمة العدل الدولية (يوليو 2025)
في 23 يوليو 2025، أصدرت محكمة العدل الدولية فتوى استشارية تاريخية حول "التزامات الدول فيما يتعلق بتغير المناخ"، وذلك بناءً على طلب من الجمعية العامة للأمم المتحدة. مثلت هذه الفتوى لحظة فارقة في تطور القانون الدولي للبحار، حيث تناولت المحكمة بشكل مباشر قضية استقرار الحدود البحرية في مواجهة ارتفاع مستوى سطح البحر.
خلصت المحكمة إلى أن "أحكام UNCLOS لا تلزم الدول الأطراف، في سياق التغيرات المادية الناتجة عن ارتفاع مستوى سطح البحر المرتبط بتغير المناخ، بتحديث خرائطها أو قوائم إحداثياتها الجغرافية التي تُظهر خطوط الأساس والحدود الخارجية لمناطقها البحرية بمجرد أن تكون قد أُقيمت بشكل صحيح وفقاً للاتفاقية".
هذا الحكم حمل تأكيداً واضحاً على أن الدول ليست ملزمة قانوناً بإعادة حساب خطوط الأساس أو الحدود الخارجية لمجرد ارتفاع مستوى سطح البحر. وقد اعتبر القاضي بوجدان أوريسكو، العضو السابق في لجنة القانون الدولي والمشارك في إدراج موضوع "ارتفاع مستوى سطح البحر" ضمن برنامج عمل اللجنة، أن هذا الحكم يمثل "أول تأكيد من جهاز قضائي دولي، وبشكل خاص من محكمة العدل الدولية، لهذه القاعدة".
غير أن الفتوى لم تخلُ من انتقادات. فقد أشار القاضي أوريسكو في رأيه المخالف إلى أن المحكمة "فاتتها فرصة" إجراء تحليل أعمق لموضوع ارتفاع مستوى سطح البحر، مبدياً أسفه لكون الفتوى "متحفظة بشكل مفرط وغير ضروري" في بعض الجوانب. كما لاحظ غياب أي إشارة إلى مبدأ الاستقرار القانوني في الفتوى، وعدم اعترافها صراحة بخطوط الأساس الثابتة كقاعدة عرفية.
4.2 تقرير لجنة القانون الدولي النهائي لعام 2025
في يونيو 2025، اعتمدت لجنة القانون الدولي (ILC) تقريرها النهائي بشأن "ارتفاع مستوى سطح البحر في القانون الدولي"، بعد ست سنوات من العمل المكثف بدأت في عام 2019. تناول التقرير ثلاث مسائل فرعية رئيسية: قانون البحار، والدولة، وحماية الأشخاص المتأثرين بارتفاع مستوى سطح البحر.
أكد التقرير أن UNCLOS لا تفرض على الدول اعتماد نظام خطوط أساس متحركة، وأن الدول لها الحرية في تثبيت خطوط أساسها وحدودها البحرية حتى مع تغير السواحل. كما ناقش التقرير مسألة استمرارية الدولة، وهي من أكثر القضايا إشكالية في هذا السياق.
أظهرت المناقشات داخل اللجنة انقساماً حول صفة استمرارية الدولة: هل هي "مبدأ" أم "قرينة"؟ وقد تجنبت اللجنة كلا الصياغتين، واختارت مصطلحاً محايداً هو "الدعم" لاستمرارية الدولة. هذا التردد يعكس حساسية الموضوع، حيث تعارض بعض الدول فكرة أن الدولة يمكن أن تستمر في الوجود دون أراضٍ مادية، بينما تصر الدول الجزرية الصغيرة على أن استمراريتها كدول ذات سيادة يجب أن تكون مضمونة حتى لو غمرت مياه البحر أراضيها بالكامل.
4.3 تطور الممارسة الدولية: إعلانات دول المحيط الهادئ
على صعيد الممارسة الدولية، برزت دول المحيط الهادئ كقائدة للجهود الرامية إلى تثبيت الحدود البحرية في مواجهة ارتفاع مستوى سطح البحر. في عام 2021، أصدرت دول منتدى جزر المحيط الهادئ (PIF) إعلاناً بشأن الحفاظ على المناطق البحرية، أعربت فيه عن "نية إقليمية واضحة للحفاظ على المناطق البحرية التي تم إنشاؤها والإخطار بها وفقاً لـ UNCLOS، مع الاستقرار والقدرة على التنبؤ كنتائج توجيهية".
وفي مارس 2026، أي بعد عام من انعقاد مؤتمر قمة المحيط الهادئ، أعلنت دول الكومنولث في اجتماع وزراء القانون في الكومنولث أن الحدود البحرية للدول "ستظل صالحة قانونياً بغض النظر عن التغيرات البيئية"، بما في ذلك غرق الجزر. كما أكدت أن الحدود البحرية ستبقى قائمة "حتى لو غرقت الجزيرة". وقد صرّح الدكتور بيمال باتيل، نائب رئيس جامعة راشترا ركشا، بأن لجنة القانون الدولي "وجدت أنه لا يوجد ما يلزم الدول في UNCLOS أو القانون الدولي العام بنقل أو تحديث خطوط الأساس أو الإحداثيات أو الحدود الخارجية للمناطق البحرية بشكل مستمر بمجرد أن يتم إنشاؤها بشكل قانوني وإيداعها".
أما فيما يتعلق باستمرارية الدولة، فقد اعتمدت دول منتدى جزر المحيط الهادئ في عام 2023 إعلاناً يؤكد أن "السيادة والشخصية القانونية الدولية يجب أن تصمد حتى عندما تصبح الأراضي غير صالحة للسكن بشكل متزايد أو تغمرها المياه جزئياً".
خامساً: إعادة تعريف الحدود البحرية – الاتجاهات والتحديات
5.1 نحو اعتماد خطوط الأساس الثابتة كقاعدة عرفية
تشير مجمل التطورات القانونية الأخيرة - فتوى محكمة العدل الدولية، تقرير لجنة القانون الدولي، وإعلانات دول المحيط الهادئ - إلى تحول تاريخي في القانون الدولي للبحار. فبينما كان الرأي التقليدي يميل إلى اعتبار خطوط الأساس "متحركة"، يبدو أن القانون الدولي يتجه نحو إقرار "خطوط الأساس الثابتة" كقاعدة، وإن لم يكن بشكل صريح بعد.
يجد هذا الاتجاه سنده القانوني في عدة أسس: أولاً، مبدأ الاستقرار القانوني والأمن القانوني، الذي يقتضي أن تكون للدول حدود بحرية واضحة ومستقرة لا تتغير مع كل تغير في الساحل. ثانياً، مبدأ حسن النية، الذي يحول دون استفادة الدول من ظاهرة تغير المناخ - التي تساهم فيها بشكل متفاوت - لتقليص حقوق الدول الأخرى. ثالثاً، الممارسة الدولية المتطورة لدول المحيط الهادئ والعديد من الدول الأخرى التي اتخذت خطوات عملية لتجميد حدودها البحرية.
غير أن هذا التوجه لا يخلو من تحديات. فالدول غير الساحلية والدول ذات السواحل المستقرة قد تعترض على فكرة تجميد الحدود البحرية، بحجة أن ذلك يمنح الدول الجزرية الصغيرة حقوقاً بحرية شاسعة لا تتناسب مع واقعها الجغرافي الجديد. كما أن الاعتراف بخطوط الأساس الثابتة كقاعدة عرفية يتطلب وجود "ممارسة عامة ومتسقة" مع "اعتقاد قانوني" (opinio juris)، وهو ما قد لا يكون متحققاً بالكامل بعد.
5.2 تحديات استمرارية الدولة
تمثل مسألة استمرارية الدولة في مواجهة فقدان الأراضي بالكامل أحد أكثر التحديات القانونية تعقيداً. فمعايير الدولة في القانون الدولي التقليدي تتطلب وجود أربعة عناصر: إقليم، وشعب، وحكومة، وقدرة على الدخول في علاقات دولية. ماذا يحدث إذا غمرت مياه البحر إقليم الدولة بالكامل؟
يبدو أن المجتمع الدولي يتجه نحو إقرار مبدأ استمرارية الدولة، وإن كان بصياغات متفاوتة القوة. ففي حين تفضل الدول الجزرية الصغيرة مصطلح "المبدأ"، تفضل دول أخرى مصطلح "القرينة" أو مجرد "الدعم". بغض النظر عن التسمية، فإن الاتجاه العام هو أن الدول لا ينبغي أن تفقد عضويتها في الأمم المتحدة أو شخصيتها القانونية الدولية لمجرد أن تغير المناخ قد جعل أراضيها غير صالحة للسكن أو غمرتها المياه.
5.3 تداعيات إعادة التعريف على القانون الدولي
إن إعادة تعريف الحدود البحرية في ضوء ارتفاع مستوى سطح البحر تطرح تداعيات بعيدة المدى على النظام القانوني الدولي برمته. فإذا تم تثبيت الحدود البحرية بغض النظر عن التغيرات المادية، فإن ذلك يعني أن بعض الدول ستحتفظ بمناطق اقتصادية خالصة شاسعة حتى بعد أن تفقد معظم أراضيها أو تصبح غير مأهولة. هذا قد يؤدي إلى نزاعات مع الدول المجاورة التي قد ترى في ذلك انتهاكاً لمبادئ العدالة والإنصاف.
علاوة على ذلك، فإن إعادة تعريف الحدود البحرية تفتح الباب أمام إعادة التفكير في مفاهيم أساسية أخرى في القانون الدولي، مثل السيادة الإقليمية، والولاية القضائية على الموارد الطبيعية، وحقوق الإنسان للاجئين المناخيين. كما تطرح تساؤلات حول مسؤولية الدول المتقدمة - التي تتحمل المسؤولية التاريخية الكبرى عن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري - تجاه الدول الجزرية الصغيرة المتضررة.
سادساً: الخاتمة والتوصيات
6.1 الخاتمة
يُظهر هذا البحث أن ارتفاع مستوى سطح البحر الناتج عن تغير المناخ يمثل تحدياً وجودياً ليس فقط للدول الجزرية الصغيرة، بل للنظام القانوني الدولي بأكمله. فاتفاقية UNCLOS، رغم كونها إحدى أهم الصكوك القانونية في تاريخ العلاقات الدولية، لم تتوقع هذه الظاهرة، مما خلق فجوات قانونية كبيرة تتفاقم يوماً بعد يوم.
غير أن القانون الدولي ليس جامداً؛ فقد أثبتت التطورات الأخيرة - لا سيما فتوى محكمة العدل الدولية لعام 2025وتقرير لجنة القانون الدولي النهائي - قدرة النظام القانوني على التكيف مع التحديات الجديدة. يبدو أن المجتمع الدولي يتجه نحو تبني حل قانوني مزدوج: من ناحية، تثبيت خطوط الأساس والحدود البحرية الحالية واعتبارها نهائية وغير قابلة للتعديل بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر؛ ومن ناحية أخرى، الاعتراف باستمرارية الدول حتى في حالة فقدان أراضيها بالكامل، مع إعادة تعريف لمفهوم "الإقليم" بما يتناسب مع واقع القرن الحادي والعشرين.
يبقى التساؤل: هل يمثل هذا التحول تطوراً طبيعياً للقانون الدولي أم خروجاً عن مبادئه الأساسية؟ الإجابة تتوقف على المنظور. بالنسبة لدول المحيط الهادئ، إنها مسألة بقاء وعدالة. أما بالنسبة للدول الأخرى، فقد تكون مسألة توازن دقيق بين الاستقرار القانوني والعدالة الجغرافية. في نهاية المطاف، سيظل القانون الدولي للبحار في حالة تحول مستمر طالما استمرت مستويات سطح البحر في الارتفاع.
6.2 التوصيات
بناءً على التحليل أعلاه، يُمكن تقديم التوصيات التالية:
أولاً: العمل على إعداد بروتوكول إضافي لاتفاقية UNCLOS يتناول بشكل صريح تأثير ارتفاع مستوى سطح البحر على خطوط الأساس والحدود البحرية، ويقر مبدأ "تجميد" هذه الحدود بمجرد إيداعها بشكل صحيح.
ثانياً: الاعتراف رسمياً بمبدأ استمرارية الدولة في مواجهة فقدان الأراضي بسبب تغير المناخ، وضمان استمرار عضوية الدول المتضررة في الأمم المتحدة ومؤسساتها المتخصصة.
ثالثاً: إنشاء آلية دولية لتسوية النزاعات الناشئة عن إعادة تعريف الحدود البحرية، على أن تأخذ هذه الآلية في الاعتبار مبادئ العدالة والإنصاف والمسؤولية التاريخية للدول المتقدمة.
رابعاً: تعزيز التعاون الدولي لدعم الدول الجزرية الصغيرة في جهودها للتكيف مع تغير المناخ، بما في ذلك توفير التمويل والتكنولوجيا اللازمة لحماية سواحلها وبنيتها التحتية.
خامساً: تشجيع الدول على الانضمام إلى الإعلانات الإقليمية والدولية التي تؤكد استقرار الحدود البحرية واستمرارية الدولة، مثل إعلان دول منتدى جزر المحيط الهادئ وإعلان دول الكومنولث، لتعزيز الاتجاه نحو تكوين قاعدة عرفية دولية واضحة في هذا الشأن.
المراجع:
أبو الوفا، أحمد. القانون الدولي للبحار: دراسة تحليلية لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982 في ضوء التطورات المعاصرة، دار النهضة العربية، القاهرة، 2019.
البرغوثي، رشاد. الجزر والجزر المرجانية في القانون الدولي للبحار: دراسة في ضوء تحديات تغير المناخ، المجلة المصرية للقانون الدولي، المجلد 78، 2022، ص 45-89.
