من جيشٍ يعتمد على إرثٍ من التسليح السوفييتي وشبكات تمويل خارجية، إلى قوة قادرة على لعب دور مباشر في التصنيع الدفاعي؛ قطعت أوكرانيا مساراً تحوُّلياً واضحاً، وإن لم يكن خطِّياً؛ فقد شهد هذا المسار موجات من التقدُّم والتعثُّر بفعل عوامل داخلية، أبرزها الفساد، وأخرى خارجية مرتبطة بطبيعة التهديدات. ويمكن القول إن بوادر التحديث العسكري بدأت منذ ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في 2014، لكنها تعثَّرت ولم تُواكِب حجم التحدي، قبل أن تتسارع بشكل ملحوظ بعد عام 2022، رغم الخسائر الفادحة التي تكبَّدتها كييف في المراحل الأولى من الحرب.
تحوُّلات نوعية
استطاعت أوكرانيا تحقيق نجاحات بارزة في قدراتها الدفاعية خلال الحرب مع روسيا، بما يعكس قدرتها على التأقلم مع التهديدات الجديدة بمرونةٍ وكفاءةٍ عاليتَين. ويتجلَّى ذلك في عدد من التحولات، يتمثل أبرزها فيما يلي:
1- تسارُع ملحوظ في قدرات التصنيع العسكري: شهدت صناعة الدفاع الأوكرانية توسعاً سريعاً منذ عام 2022؛ إذ انتقلت من قدرات محدودة إلى إنتاج واسع يغطي الذخائر والمنظومات القتالية وفق معايير حلف الناتو. ويُقدَّر أن أوكرانيا تُنتج حالياً قذائف مدفعية أكثر من جميع أعضاء الناتو الـ(32) مجتمعين، بالتوازي مع زيادة إنتاج ناقلات الجنود المدرعة بنسبة (400%)، والمدفعية بنسبة (200%)، والذخيرة بنسبة (150%). ويَبرز مدفع "بوهدانا" كمثال على هذا التحول؛ إذ ارتفع إنتاجه من وحدة واحدة في 2022 إلى نحو (40) وحدة شهرياً بحلول نهاية عام 2025في مصنع "كراماتورسك"، مع قدرة الشركات الأوكرانية على تسليم المدافع خلال (60) يوماً بتكلفة (2,5) مليون دولار مقارنةً بـ(4,3) مليون دولار مع فترات انتظار أطول في الغرب.
2- زيادة مستويات الإنفاق الدفاعي: بحلول عام 2023، ارتفع الإنفاق الحكومي على الأسلحة والسلع ذات الاستخدام المزدوج إلى (20) ضعفاً مقارنةً بعام 2021، ليصل إلى (30,8) مليار دولار، ثم وصل إلى نحو (70) مليار دولار في عام 2025. ورغم أن جزءاً كبيراً من ميزانية المشتريات وُجِّه لشراء الأسلحة من الخارج، مثل نظام صواريخ المدفعية العالية الحركة M142 (HIMARS)، ونظامَي الدفاع الجوي باتريوت وناسامز، فإن شركات الأسلحة الأوكرانية استعادت قدراتها الإنتاجية، بل وسَّعتها، كما اتضح في إنتاج الطائرات المُسيَّرة وأنظمة المدفعية الذاتية الدفع من طراز "بوهدانا 2S22" عيار (155) ملم.
3- تحجيم الفساد داخل المؤسسة العسكرية: استطاعت كييف تحقيق نجاحات ملحوظة بشأن مكافحة الفساد الذي كان ولا يزال يمثل تحدياً رئيسياً داخل المؤسسة العسكرية؛ وذلك من خلال عدة إجراءات، مثل رقمنة عمليات الشراء العسكرية؛ بدءاً من تقديم الطلبات حتى إصدار الفواتير، بجانب تأسيس المجلس العام لمكافحة الفساد التابع لوزارة الدفاع الأوكرانية في أوائل عام 2023 بهدف تعزيز الشفافية وتكثيف الرقابة العامة ومكافحة الفساد داخل الوزارة، وتحويل بعض الشركات، مثل شركة "أوكروبورونبروم"، من تكتُّل حكومي إلى شركة مساهمة عامة. علاوةً على ذلك، كثَّفت أوكرانيا ملاحقاتها الأمنية للمتورطين في أعمال فساد داخل القطاع العسكري.
4- توسيع دور القطاع الخاص في التصنيع الدفاعي: بدأت حكومة كييف تبنِي نموذجاً قائماً على تعزيز الشراكات مع القطاع الخاص، وتمكين رواد الأعمال والمبتكرين في تصنيع أسلحة بتقنيات عالية؛ حيث أطلقت الحكومة منصة "Brave 1" في أبريل 2023 بهدف تعزيز الابتكار في ساحة المعركة. وتدعم الحكومة الآن ما لا يقل عن (1500) شركة تقنية بمِنَح قدرها (30) مليون دولار. وتشمل هذه الشركات (140) شركة مُصنِّعة لأنظمة الحرب الإلكترونية، ومركبات برية غير مأهولة. وقد نجحت إحدى هذه الشركات في تصنيع طائرات بدون طيار متفجرة من طراز FP-1 يمكنها السفر لمسافة تصل إلى (1600) كيلومتر، وتم استخدامها بكثافة في تنفيذ ضربات داخل العمق الروسي.
5- تزايُد توظيف التكنولوجيا المتقدمة في العمليات العسكرية: على مدار سنوات الحرب مع روسيا، اتضح أن أوكرانيا تُركِّز بشكل متزايد على توظيف التقنيات المتقدمة في العمليات العسكرية؛ ففي ديسمبر 2024، نفذت القوات الأوكرانية أول هجوم بري باستخدام أنظمة آلية فقط بدلاً من المشاة شمال خاركيف، ونجحت في تدمير مواقع روسية، كما استُخدمت هذه الأنظمة لزرع وإزالة الألغام في مواقع مختلفة، كما سبق أن أشارت تقارير إلى أن الجيش الأوكراني نفذ أول هجوم له باستخدام المركبات البرية غير المأهولة (UGVs) وطائرات الدرون ذات الرؤية من منظور الشخص الأول (FPV). وتشير تقديرات إلى إمكانية تحوُّل أوكرانيا إلى "عاصمة الطائرات المُسيَّرة في العالم"، مع توقُّع الانتقال إلى نموذج أسراب الطائرات المسيَّرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي خلال الفترة (2025-2026).
6- تطوير شراكات عسكرية مع مُصنِّعين من دول حليفة: أقامت أوكرانيا شراكات عسكرية واسعة النطاق، تُركِّز على الإنتاج المشترك للطائرات المُسيَّرة مع ألمانيا وبريطانيا والدنمارك والنرويج وفرنسا، كما تشمل قائمةُ الشركاء الرئيسيين ليتوانيا والولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي؛ حيث تساهم أكثر من (41) دولة في تقديم المساعدة الأمنية، بما في ذلك أستراليا وكوريا الجنوبية.
كذلك عززت شركات تصنيع الأسلحة من الولايات المتحدة وأوروبا وجودها في أوكرانيا؛ حيث افتتحت شركات مثل "Rheinmetal" الألمانية، و"KNDS" الفرنسية-الألمانية، و"AeroVironment" الأمريكية، مصانع إنتاجية في البلاد، وأقامت مشاريع مشتركة مع منتجين أوكرانيين. ومن شأن هذه الشراكات تسريع توحيد المعايير العسكرية وفق متطلبات الناتو، بما يدعم مساعي كييف للانضمام إلى الحلف. وخلال عام 2024، جمعت أوكرانيا أكثر من (1,5) مليار دولار للاستثمار في صناعة الأسلحة المحلية من تسع دول مانحة غربية.
مسارات متوقعة
من المُتوقَّع مواصلة أوكرانيا مساعيها الرامية إلى تطوير قدراتها الدفاعية والعسكرية عبر مسارات عديدة، يتمثل أبرزها فيما يلي:
1- تعميق مستوى الشراكة الدفاعية مع الناتو: من المُتوقَّع أن تكتسب أوكرانيا أهمية متزايدة كشريك دفاعي موثوق لحلف الناتو، وهو ما يتضح من منحها قدراً أكبر من الثقة فيما يتعلق بتوسيع الشراكات الدفاعية بين الطرفَين. وقد ينعكس ذلك في زيادة التدريبات المشتركة، وتعزيز التشغيل البيني، وتطوير مشروعات دفاعية مشتركة، وربما على المدى الأطول في اقتراب كييف من تحقيق هدفها بالانضمام إلى الحلف كعضو دائم.
2- توسيع الشراكات العسكرية الخارجية: تتجه أوكرانيا إلى توظيف الطفرات التي حقَّقتها في التصنيع الدفاعي لتعزيز حضورها الخارجي، عبر توسيع شراكاتها مع دول أخرى من خلال تقديم الدعم الفني والاستشاري وتصدير الأسلحة، في مسار يُرجَّح استمراره وتوسُّعه خلال الفترة المقبلة. وعلى سبيل المثال، وقَّعت أوكرانيا في 5 فبراير 2026خطاب نوايا مع بولندا بشأن الإنتاج المشترك للأسلحة، كما نجحت أوكرانيا على مدار سنوات الحرب مع روسيا في التوصل إلى تفاهمات مع دول مختلفة تتركز على التعاون الدفاعي؛ حيث وقَّعت كييف اتفاقية مع لندن في أبريل 2024 لتشجيع التعاون في القضايا الدفاعية والصناعية.
3- فك الحظر على تصدير الأسلحة بشكل تدريجي: رغم امتلاك أوكرانيا قاعدة تصنيع عسكري متنامية، لا يزال تصدير الأسلحة مُقيَّداً منذ 2022للحفاظ على الإمدادات داخلياً، إلا أن هذا التوجه بدأ يتغير تدريجياً؛ إذ يجري بحث السماح بالتصدير بشكل محدود إلى بعض الحلفاء، مع تأكيد أولوية تلبية الاحتياجات المحلية أولاً. وبحسب استطلاع أجراه المجلس الأوكراني للصناعات الدفاعية وتم نشر نتائجه في أكتوبر 2025، يرغب (94,4%) من المصنِّعين في بدء التصدير. وسبق أن صرح وزير الدفاع الأوكراني السابق "دينيس شميهال"، في سبتمبر 2025، بأنه تم التعاون مع أكثر من (25) شركة في إطار مبادرتَي "البناء مع أوكرانيا" و"البناء في أوكرانيا".
4- تصنيع بدائل محلية من أنظمة الدفاع الجوية: تُجري أوكرانيا أبحاثاً لإنتاج نظام دفاع جوي مُشابه لنظام باتريوت الأمريكي، ويحمل اسم "كيلشن" (Kilchen)، لمواجهة الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز الروسية. وقد صُمِّم النظام المقترح ليبلغ مداه أكثر من (200) كيلومتر، مع القدرة على اعتراض أهداف متعددة، بما في ذلك الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، بالإضافة إلى الطائرات العالية الأداء. ويُقدِّر المطورون أن نظام "كيلشن" قد يكون أرخص بكثير من نظيره الأمريكي، ربما من ثُلث إلى سُدس ثمنه (150مليون دولار مقارنةً بـ 500 مليون دولار للباتريوت)؛ ما يسمح بنشر عدد أكبر من الوحدات.
5- الحصول على تمويلات دفاعية إضافية من الخارج: لا يزال المجهود الحربي الأوكراني يعتمد بشكل كبير على الأسلحة الغربية، سواء كانت مُقدَّمة كمساعدات أو مستورَدة بشروط تجارية. وعلى الرغم من بدء الإنتاج المحلي لأنواع من الأسلحة التي كانت تستوردها سابقاً من الخارج، مثل ذخيرة المدفعية والدبابات، تشير التقديرات إلى أن الطريق لا يزال طويلاً أمام كييف لتتمكَّن من إنتاج بدائل لجميع الأنظمة المستورَدة التي تستخدمها في ساحة المعركة؛ لذا من المُتوقَّع أن تُواصِل أوكرانيا السعي للحصول على مزيدٍ من التمويل من الشركاء الخارجيين لتطوير قدراتها العسكرية وتعزيز تسليحها.
استراتيجية ممتدة
تبدو أوكرانيا في مسار متصاعد نحو ترسيخ مكانتها كقوة دفاعية تنافسية قادرة على توظيف قدراتها الصناعية والتكنولوجية في تحقيق مكاسب استراتيجية أوسع. ومع استمرار الاعتماد الجزئي على الدعم الخارجي، فإن الاتجاه نحو تعميق الشراكات، وتطوير بدائل محلية، والانخراط في الأسواق الدفاعية الدولية، يشير إلى أن هذا التحول لم يَعُد ظرفياً، بل يمثل إعادة تشكيل طويلة الأمد لبنية القوة العسكرية الأوكرانية ودورها في منظومة الأمن الأوروبية.
المراجع
_ منن خاطر، 24/4/2026، أبعاد صعود أوكرانيا كقوة دفاعية تنافسية، انتريجونال للتحليلات السياسية.
_ حسان العقاد، 15/1/2025، الصراع في أوكرانيا وتداعياته على السياسة الدولية، موقع القرار.
