اليمن بين التصعيد العسكري والصراع الإقليمي
فرع القاهرة

تشهد الساحة اليمنية مرحلة جديدة من التصعيد العسكري والسياسي، بعد فترة من الهدوء النسبي الذي فرضته هدنة عام 2022، في ظل تزايد تعقيدات البيئة الإقليمية وتداخل الأزمات في الشرق الأوسط. فقد جاء تبادل الضربات الأخيرة بين القوات الحكومية اليمنية وجماعة الحوثيين متزامنًا مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، بما أعاد ربط مسار الصراع اليمني بالتوازنات الإقليمية الأوسع، وأبرز مجددًا أهمية اليمن بوصفه إحدى ساحات التنافس الاستراتيجي في المنطقة كما تعكس هذه التطورات هشاشة التفاهمات التي حافظت على خفض مستوى المواجهات خلال السنوات الماضية، وتؤكد أن القضايا الجوهرية المتعلقة بتقاسم السلطة، ومستقبل المؤسسات العسكرية، ودور الفاعلين الإقليميين، ما زالت دون معالجة حقيقية. ومن ثم، يثير هذا التصعيد تساؤلات حول مستقبل الأزمة اليمنية، وإمكانية احتواء المواجهات، وحدود تأثيرها على أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية، في ظل استمرار التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ في المنطقة.

دوافع التصعيد العسكري

يعكس التصعيد العسكري الأخير بين القوات الحكومية اليمنية وجماعة الحوثيين تحولًا لافتًا في مسار الأزمة اليمنية، بعدما سادت خلال السنوات الماضية حالة من الهدوء النسبي نتيجة التفاهمات التي أعقبت هدنة عام 2022. ويشير استهداف مطار صنعاء وما تبعه من رد حوثي باستهداف مطار أبها إلى أن حالة ضبط النفس التي حكمت العلاقة بين الطرفين بدأت تتراجع بصورة تدريجية، في ظل تزايد الشكوك المتبادلة وتآكل الثقة السياسية. كما أن توقيت هذه المواجهات لم يكن منفصلًا عن التطورات الإقليمية، بل جاء متزامنًا مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، الأمر الذي جعل الساحة اليمنية أكثر ارتباطًا بحسابات الصراع الإقليمي. ومن جانبها، سعت الحكومة اليمنية إلى توجيه رسالة سياسية وعسكرية تؤكد رفضها أي محاولات لتعزيز شرعية الحوثيين أو تطوير علاقاتهم الخارجية عبر خطوط اتصال مباشرة مع إيران، معتبرة أن ذلك يمثل تكريسًا لسلطة موازية خارج إطار التسوية السياسية. وفي المقابل، تعامل الحوثيون مع الضربة باعتبارها تحديًا مباشرًا لنفوذهم، فسارعوا إلى الرد لإثبات استمرار قدرتهم على المبادرة العسكرية وفرض معادلات ردع جديدة، بما يحافظ على تماسك قواعدهم الداخلية ويعزز صورتهم كقوة قادرة على مواجهة خصومها الإقليميين. وبذلك، فإن التصعيد الأخير لا يمكن فهمه باعتباره حادثًا عسكريًا منفصلًا، وإنما يمثل مؤشرًا على دخول الأزمة اليمنية مرحلة جديدة تتداخل فيها الاعتبارات المحلية مع الحسابات الإقليمية بصورة أكبر من أي وقت مضى.

اليمن والصراع الإقليمي

لم تعد الأزمة اليمنية تقتصر على كونها نزاعًا داخليًا بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثيين، بل أصبحت إحدى أهم ساحات التنافس الجيوسياسي في الشرق الأوسط، نتيجة الموقع الاستراتيجي لليمن وإشرافه على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الدولية. وفي هذا الإطار، تنظر إيران إلى جماعة الحوثيين باعتبارها أحد أهم أدواتها لتعزيز نفوذها الإقليمي، وتوسيع نطاق الضغط على خصومها، سواء من خلال الدعم العسكري والتقني أو عبر توفير الغطاء السياسي والدبلوماسي. كما يمنح استمرار النفوذ الحوثي طهران ورقة ضغط مؤثرة يمكن استخدامها في سياق أزماتها مع الولايات المتحدة والدول الغربية، خاصة في ظل التوترات المتكررة المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني. وفي المقابل، ترى الحكومة اليمنية والدول الداعمة لها أن استمرار هذا النفوذ يشكل تهديدًا مباشرًا لأمن المنطقة، ليس فقط بسبب انعكاساته على الداخل اليمني، وإنما أيضًا لما يمثله من مخاطر على أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب ولذلك أصبح اليمن جزءًا من شبكة أوسع من الصراعات الإقليمية، حيث تتداخل فيه اعتبارات الأمن البحري، والتنافس على النفوذ، والصراع بين المحاور الإقليمية، بما يجعل أي تصعيد محلي مرشحًا للامتداد إلى دوائر إقليمية أوسع، ويصعب عزله عن التطورات التي تشهدها المنطقة بأكملها.

تحديات التسوية السياسية

أثبتت التطورات الأخيرة أن الهدنة التي أُبرمت عام 2022 نجحت في خفض مستوى العمليات العسكرية المباشرة، لكنها لم تتمكن من معالجة الأسباب الهيكلية للصراع اليمني، إذ ظلت الملفات الأساسية، مثل شكل الدولة، وتقاسم السلطة، وتوحيد المؤسسات العسكرية، وإدارة الموارد الاقتصادية، ومستقبل العلاقة بين المركز والأقاليم، دون حلول نهائية. وقد أدى هذا الوضع إلى بقاء التوترات كامنة تحت سطح الهدوء النسبي، بحيث أصبحت أي حادثة أمنية أو تطور إقليمي قادرًا على إعادة إشعال المواجهات كما أن غياب اتفاق سياسي شامل أدى إلى استمرار كل طرف في تعزيز قدراته العسكرية استعدادًا لأي مواجهة مستقبلية، وهو ما جعل الهدنة أقرب إلى وقف مؤقت لإطلاق النار منها إلى مسار حقيقي لبناء السلام. ويضاف إلى ذلك أن استمرار التدخلات الإقليمية وتباين أجندات القوى الخارجية أسهم في تعقيد فرص التسوية، إذ ترتبط مواقف الأطراف اليمنية بحسابات إقليمية تتجاوز حدود الأزمة الداخلية. ومن ثم، فإن استمرار غياب الثقة بين الأطراف، إلى جانب تعثر المسار السياسي، يجعل احتمالات العودة إلى التصعيد العسكري أكثر ترجيحًا، خاصة إذا لم تُستأنف المفاوضات ضمن إطار يضمن معالجة جذور الأزمة وليس الاكتفاء بإدارة تداعياتها الأمنية.

سيناريوهات التصعيد المقبلة

تشير المؤشرات الراهنة إلى أن مستقبل الأزمة اليمنية سيظل مرهونًا بقدرة الأطراف المحلية والإقليمية على احتواء التصعيد ومنع انزلاقه إلى مواجهة واسعة. ويتمثل السيناريو الأول في نجاح القوى المعنية في إعادة تثبيت قواعد الردع المتبادل، بحيث تظل العمليات العسكرية محدودة ومحسوبة، مع استمرار الوساطات الإقليمية والدولية للحفاظ على مستوى مقبول من الاستقرار. أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر ترجيحًا في ظل المعطيات الحالية، فيقوم على استمرار التصعيد التدريجي من خلال هجمات صاروخية متبادلة وعمليات عسكرية محدودة دون الوصول إلى حرب شاملة، الأمر الذي سيبقي حالة عدم الاستقرار قائمة ويزيد المخاوف بشأن أمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. بينما يتمثل السيناريو الثالث، وهو الأكثر خطورة، في اندماج الساحة اليمنية بصورة كاملة في المواجهة الإقليمية بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما، بما يحول اليمن إلى جبهة رئيسية ضمن صراع إقليمي أوسع يمتد تأثيره إلى أمن الطاقة والتجارة الدولية وفي جميع الأحوال، تؤكد التطورات الأخيرة أن الأزمة اليمنية دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا، لم يعد فيها الفصل بين البعدين المحلي والإقليمي ممكنًا، وأن أي تطور ميداني مستقبلي ستكون له انعكاسات مباشرة على توازنات الأمن الإقليمي، وعلى استقرار الممرات البحرية الحيوية، وهو ما يجعل التوصل إلى تسوية سياسية شاملة الخيار الأكثر أهمية لتجنب انزلاق المنطقة إلى موجة جديدة من عدم الاستقرار.

خاتماً: تكشف التطورات الأخيرة أن الأزمة اليمنية تجاوزت منذ سنوات إطارها الداخلي، لتصبح جزءًا من شبكة معقدة من الصراعات الإقليمية والتوازنات الدولية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد عسكري يحمل تداعيات تتجاوز حدود اليمن إلى أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب واستقرار المنطقة بأكملها كما تؤكد المواجهات الأخيرة أن الهدنة السابقة لم تنجح في معالجة جذور الأزمة، بل أسهمت في تجميدها مؤقتًا، في ظل استمرار الخلافات السياسية وتعاظم التدخلات الخارجية وفي ضوء استمرار المنافسة الإقليمية، يبدو أن فرص العودة إلى الاستقرار ستظل مرهونة بقدرة الأطراف اليمنية والإقليمية على استئناف مسار تفاوضي شامل يعالج القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية بصورة متوازنة، ويحول دون تحول اليمن إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، بما يضمن الحفاظ على أمن الملاحة الدولية واستقرار الإقليم على المدى الطويل.

 

 

المصدر: مركز أبعاد للدراسات الإستراتيجية

التاريخ : 14/7/2026

-----------------------------------------------------------------------------------------

المصدر: مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية

الكاتب : رضوى الشريف

التاريخ : 12/6/2026

المقالات الأخيرة