تتجاوز تداعيات الحرب الأمريكية الصهيونية الإيرانية، منذ اندلاعها في 28 فبراير 2026، مروراً بالإعلان عن وقف إطلاق النار فجر يوم 8 إبريل الماضي، ثم فشل الجولة الأولى من المفاوضات بين واشنطن وطهران في باكستان يوم 11 إبريل، حدودها العسكرية المباشرة، لتفرض تأثيرات ممتدة على التفاعلات السياسية والاقتصادية عالمياً، خاصة في سياق الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة في عدد من الدول. فقد أدت هذه الحرب إلى تصاعد حدة الضغوط الاقتصادية وتزايد المخاوف الأمنية واحتدام الاستقطاب السياسي داخل العديد من المجتمعات؛ مما ينعكس بدوره على اتجاهات الناخبين وأنماط التصويت.
وفي ظل تداخل الأزمات العالمية، من اضطرابات أسواق الطاقة إلى تصاعد التوترات الجيوسياسية؛ تبدو الانتخابات المقبلة في عدد من الدول خلال عام 2026 محكومة بعوامل تتجاوز القضايا الداخلية إلى تأثيرات البيئة الدولية.
تأثير في الناخبين:
تحولت الحرب في الشرق الأوسط إلى عامل مؤثر في السلوك الانتخابي بعد أن أنتجت آثاراً مست الحياة اليومية للمواطنين في أنحاء العالم. فالتأثيرات المعيشية تُشكل أحد أهم محددات التوجه السياسي للمواطنين، وبالتالي تسببت الحرب في إعادة تشكيل الأجندات الانتخابية في الدول التي تترقب استحقاقات انتخابية في عام 2026، وصارت مجريات الحرب في صلب اهتمام الساسة وهم يخاطبون قواعدهم ويُجرون التحديثات على خططهم للفوز في بيئة تتأثر لحظياً بتطورات الأحداث وتعيد ترتيب أولويات الجميع بدرجة أو بأخرى.
وتتعدد أنماط التأثير ما بين اقتصادي وسياسي وأمني، مع الأخذ في الاعتبار اختلاف هذه الأنماط ما بين دولة وأخرى. فمع حضور الأبعاد الاقتصادية في كل الحالات، إلا أن وجود الولايات المتحدة كطرف أصيل في هذه الحرب يحمل تداعيات هائلة تتعلق بحسابات أمنية وسياسية معقدة تتجاوز أهمية التأثيرات الاقتصادية المؤقتة في عدد من المناطق.
وقد أدى غلق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس الإمدادات العالمية للنفط والغاز المسال، إلى إرسال موجات صدمة في جميع أنحاء العالم؛ إذ مثّل تهديداً مباشراً للأوضاع الاقتصادية؛ مما يضغط على شعبية بعض الحكومات نتيجة ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف الشحن والتضخم. فتعطل سلاسل الإمداد يرفع أسعار الطاقة؛ مما يؤثر في كلفة المعيشة للمواطنين؛ وهو ما قد يدفع الناخبين في بعض الدول إلى تقييم أداء حكوماتهم بشكل سلبي؛ ومن ثم قد يخدم هذا الوضع الأحزاب المعارضة.
انتخابات الكونغرس الأمريكي:
من المقرر أن يتم إجراء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في نوفمبر المقبل، والتي ستحدد ما إذا كان الرئيس الجمهوري، دونالد ترامب، سيواجه أغلبية ديمقراطية في الكونغرس أم يحتفظ حزبه بالغالبية التي يتمتع بها في مجلسي النواب والشيوخ. فخلال انتخابات التجديد النصفي، يُعاد انتخاب كل أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 435عضواً، بالإضافة إلى نحو ثلث مجلس الشيوخ؛ أي نحو 35 عضواً من إجمالي 100.
تاريخياً، كان للحروب الخارجية تأثير واضح في نتائج الانتخابات النصفية، وفي حال خسارة الجمهوريين سيفقدون السيطرة على الكونغرس؛ ما قد يغل يد إدارة ترامب عن تمرير تشريعات رئيسية خلال العامين المتبقيين من ولايته.
وبينما يعمل الجمهوريون على احتواء تداعيات حرب إيران؛ يستعد الديمقراطيون لاستثمارها سياسياً. فهذه الحرب تكشف عن خريطة انقسام داخل المجتمع الأمريكي وداخل الحزبين الكبيرين، فالحزب الديمقراطي يبدو أكثر تماسكاً في رفضه للحرب وانتقاد كلفتها الباهظة، فيما يبرز الانقسام الأكثر أهمية داخل الحزب الجمهوري الذي يخوض معركة للحفاظ على تماسك قاعدته الصلبة، ويجاهد بصعوبة للاحتفاظ بفئات أسهمت في صعوده الأخير تحت راية "أمريكا أولاً"، بوصفها وعداً بتقليص الالتزامات الخارجية لا توسيعها. فقطاع من الشباب الذين انضموا إلى الحزب الجمهوري حديثاً يشعرون بشيء من خيبة الأمل تجاه مواقف الرئيس ترامب، خاصة فيما يتعلق بحربه على إيران، ويتأثرون بشدة بشخصيات إعلامية مثل تاكر كارلسون وغيره من الانعزاليين في الحزب الجمهوري.
أما بالنسبة للديمقراطيين، فالحرب في الشرق الأوسط قد تمنحهم فرصاً لبناء خطاب انتخابي يربط بين التأثيرات الاقتصادية الناجمة عن الحرب والخلل في أولويات الإدارة الجمهورية، كما تتماشى تصريحات العديد من الديمقراطيين مع اتجاه شعبي يرى أن هذه الحرب جاءت بدفع من إسرائيل وليس من منطلق المصالح الأمريكية.
ويبدو أن الجمهوريين سيكونون أكبر ضحايا هذه الحرب في الداخل الأمريكي؛ إذ يستعد الديمقراطيون لاستعادة السيطرة على مجلس النواب، بينما يُرجَّح أن يحتفظ الجمهوريون بأغلبيتهم في مجلس الشيوخ. ويحمل أحدث تقرير ربع سنوي صادر عن مؤسسة "غالوب" حول الانتماء الحزبي، أخباراً سيئة للجمهوريين؛ فقد بلغت نسبة الناخبين الذين يُعرّفون أنفسهم كديمقراطيين أو مستقلين يميلون إلى الديمقراطيين أعلى مستوى لها في خمس سنوات خلال الربع الأول من عام 2026.
ويخشى الجمهوريون من أن تؤدي التداعيات الاقتصادية للحرب إلى خسارتهم للدوائر المتأرجحة التي غالباً ما تُحسم بفوارق ضئيلة، ولا سيّما أن الأوضاع الحالية تتطلب، إلى حد ما، عكس الرسائل الانتخابية التي صاغها الحزب الجمهوري خلال الأشهر الماضية قبل اندلاع الحرب، والتي ركزت أساساً على تحسن الاقتصاد وتراجع التضخم، وتدرك قيادات الحزب أن أي صدمة اقتصادية تنعكس نتائجها في بطاقات الاقتراع.
وبالطبع يعتمد تقييم الموقف على كيفية إنهاء حرب إيران بعد فترة وقف إطلاق النار، فإذا انتهت بشكل كامل في وقت قريب وانخفضت أسعار الوقود سريعاً إلى مستويات ما قبل الحرب كما توقع الرئيس ترامب؛ فقد تتراجع التأثيرات السلبية للحرب لأن الناخبين الأمريكيين يهتمون بما يحدث في الداخل أكثر مما يحدث في الخارج، وقد لا يكون لهذه العملية تأثير كبير في نهاية المطاف في انتخابات التجديد النصفي، فالكثير من الأمور قد تتغير حتى نوفمبر المقبل. ولكن إذا كان لهذه الحرب تأثير، فمن المرجح أن يكون ذلك بخسارة الجمهوريين المزيد من مقاعدهم في مجلسي النواب والشيوخ.
الانتخابات الصهيونية :
من المقرر إجراء الانتخابات التشريعية في إسرائيل في أواخر أكتوبر 2026، وقد أظهر استطلاع رأي أُجري في 19مارس الماضي أن حزب الليكود الذي يتزعمه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، سيحصل على أكبر عدد من الأصوات؛ لكنه قد يواجه صعوبة في تشكيل ائتلاف حاكم.
ويبدو نتنياهو في أمسّ الحاجة إلى البقاء في السلطة وإلا سيواجه احتمال استئناف محاكماته بتهم الفساد، ويراهن خلال الصراع مع إيران على ثلاثة رهانات في آنٍ واحد؛ هي أن تُفضي الحرب إلى تغيير النظام الإيراني، وأن يستمر الطرف الأمريكي في الحرب لفترة طويلة حتى تحقيق كل الأهداف، وأن تبقى الخسائر البشرية الإسرائيلية في حدودها الدنيا. غير أن هذا الرهان محفوف بالمخاطر؛ إذ يعتمد بدرجة كبيرة على موقف ترامب من الحرب.
وعلى عكس الوضع في الولايات المتحدة، توحد حرب إيران الداخل الإسرائيلي، وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الدعم الشعبي الإسرائيلي للحرب قد يمنح زعيم الليكود دفعة قوية قبل الانتخابات المقبلة. وتُشكّل الحرب الحالية إحدى الركائز الأساسية لاستراتيجية نتنياهو لإعادة انتخابه وفق منطق سياسي مفاده أن الإنجازات الميدانية ستمكنه من إنجاح حملته الانتخابية. وقد أعاد نتنياهو التذكير مراراً بتعهده في الثامن من أكتوبر 2023 باستعادة قوة الردع الإسرائيلية وإعادة تشكيل الشرق الأوسط، واستفاد كذلك من الحرب على إيران في إسكات الخصوم السياسيين مؤقتاً، فمنذ بدء الهجمات في 28 فبراير الماضي قللت المعارضة من انتقاداتها لحكومته وأعلنت دعمها لها بقوة خلال الحرب.
غير أن التفاؤل في أوساط حزب الليكود يظل مرهوناً بمسار حرب إيران؛ فلو حققت الحرب، بعد انتهائها تماماً، أهداف نتنياهو، قد يدفعه ذلك إلى المسارعة بالإعلان عن انتخابات مبكرة استباقاً لتغير المزاج الشعبي، وكذلك قبل حلول ذكرى السابع من أكتوبر. وقد أشارت وزيرة العلوم الإسرائيلية وعضوة حزب الليكود، جيلا غامليئيل، في 3 مارس الماضي، إلى احتمالية إجراء انتخابات مبكرة في أواخر يونيو أو أوائل يوليو 2026، وأدلى كبار أعضاء الحزب ومساعدو نتنياهو بتصريحات مماثلة لوسائل الإعلام الإسرائيلية؛ لكن الأمر يعتمد على مجريات الصراع مع إيران، فالحرب الطويلة التي تُخلف خسائر فادحة في إسرائيل قد تُضعف فرص الليكود في الانتخابات.
وتقدم حرب الـ12 يوماً في يونيو 2025 درساً لافتاً في هذا الصدد؛ فلم تُفضِ الحرب آنذاك إلى أي انعكاس إيجابي حقيقي على أرقام الائتلاف الحاكم في إسرائيل؛ ما يعني أن التأييد الشعبي للحرب لا يُترجم بالضرورة إلى مكاسب انتخابية، وأن الناخب الإسرائيلي يفصل بوضوح لافت بين تأييده للعمليات العسكرية وثقته بالقيادة السياسية.
الانتخابات الأوروبية:
يواجه الناخبون في عدد من دول العالم، ولا سيّما في القارة الأوروبية، خيارات مصيرية في صناديق الاقتراع خلال العام الجاري. وفي ظل التداعيات الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، يتأثر المشهد الانتخابي في الدول الأوروبية بهذه التطورات، وهو ما يتضح فيما يلي:
1- المجر: سجل رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، أطول فترة حكم متواصلة في الاتحاد الأوروبي، وشهدت الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 12 إبريل الجاري منافسة قوية من زعيم المعارضة، بيتر ماغيار، الذي يقود حزب تيسا، ولا يختلف توجهه كثيراً عن حزب أوربان، فيدس، في القضايا المجتمعية مثل حقوق المِثليين أو الهجرة؛ لكن ماغيار يدافع بقوة عن تحسين القدرة الشرائية للمجريين التي تُعد من أدنى المستويات في أوروبا، وعن تحسين العلاقات مع الاتحاد الأوروبي. وأظهرت النتائج الرسمية الأولية فوز حزب تيسا بقيادة ماغيار على حزب فيدس، واضعاً بذلك حداً لمسيرة سياسية لأوربان استمرت 16 عاماً في السلطة.
2- إسبانيا: عانى حزب العمال الاشتراكي الإسباني، الذي يتزعمه رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، من تراجع ملحوظ في الانتخابات الإقليمية السابقة، ويتطلع إلى تحقيق تقدم في الانتخابات الإقليمية المقررة في 17 مايو المقبل في الأندلس، في مواجهة حزب الشعب المعارض المنتمي ليمين الوسط.
ورفض سانشيز مشاركة مدريد في حرب إيران، وأغلق المجال الجوي الإسباني أمام الطائرات الأمريكية المشاركة في الضربات ومنعها من استخدام القواعد العسكرية المشتركة في جنوب إسبانيا، ويسعى الآن إلى تعزيز شرعيته بعد سلسلة من الأزمات التي أضرت بالفرص الانتخابية لحزبه. ومع تماهي موقفه مع غالبية الشعب الإسباني، اكتسب سانشيز شهرة كواحد من أكثر منتقدي الهجمات الأمريكية والإسرائيلية صراحة في أوروبا، وبرزت هذه القضية في التجمعات الانتخابية لمختلف الأحزاب.
ولم تؤثر السياسة الخارجية في الانتخابات الإسبانية إلا في لحظات محددة من تاريخ البلاد، ولم يرفض حزب الشعب وحزب فوكس اليمينيين الحرب الأمريكية على إيران صراحة؛ لكنهما لم يؤيداها أيضاً. وقد حقق حزب العمال الاشتراكي الإسباني مكاسب بفضل موقفه المناهض للحرب، بينما تراجع الدعم لليمين المتطرف في استطلاعات الرأي.
ويُنظر في إسبانيا إلى الانتخابات الإقليمية المقبلة على أنها بمثابة مقياس مبكر للتنبؤ بنتائج الانتخابات العامة لعام 2027. وقد صرّح سانشيز بأنه سيُكمل ولايته؛ لكن الانتخابات المبكرة تُعد أمراً مألوفاً في إسبانيا، وتعتمد بشكل كبير على قرار رئيس الوزراء، ويلوح صندوق الاقتراع في 17 مايو كنقطة تحول محتملة وحاسمة في المستقبل السياسي للحزب الاشتراكي.
3- ألمانيا: تشهد ألمانيا انتخابات إقليمية حاسمة في العام الجاري، وسط مخاوف من تصاعد اليمين. فمن المقرر إجراء انتخابات في سبتمبر المقبل بولايتي ساكسونيا أنهالت ومكلنبورغ فوربومرن في شرقي ألمانيا، ويتصدر الاستطلاعات حالياً في كلتا الولايتين حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف الذي يدعو إلى إنهاء العقوبات على النفط الروسي، ويستغل أزمة الطاقة الحالية الناجمة عن حرب إيران لتعزيز حجته في حملته الانتخابية. ويريد المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، إبقاء العقوبات على موسكو من أجل دعم موقف أوكرانيا، بينما تنتظر غالبية الألمان من الحكومة الاتحادية قبل كل شيء أن تفعل شيئاً حيال ارتفاع أسعار الطاقة.
وتختبر هذه الانتخابات شعبية ميرتس، الذي يشغل منصبه منذ مايو 2025، وستقيس أيضاً صعود اليمين المتطرف. ويدرك ميرتس أن الوضع الاقتصادي يمكنه تحديد نجاح حكومته أو فشلها ويؤدي أيضاً دوراً مهماً في الانتخابات الإقليمية القادمة، كما يواجه ضغطاً من واشنطن لدعمها في حرب إيران؛ لكنه لا يستطيع أن يجازف في الوقت الحالي باتخاذ موقف داعم للحرب قد يكون مرفوضاً شعبياً في ألمانيا وفق ما تُظهر استطلاعات الرأي.
4- السويد: من المقرر أن تجرى الانتخابات العامة في 13سبتمبر المقبل لانتخاب أعضاء البرلمان (الريكسداغ)، وسينتخب هؤلاء بدورهم رئيس الوزراء. وبينما كان الاقتصاد السويدي ينتعش بعد ثلاث سنوات من الركود شبه التام، مدعوماً بانخفاض أسعار الفائدة وميزانية مالية أكثر توسعاً لعام 2026؛ جاء الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة المرتبط بالحرب الإيرانية ليهدد بعرقلة الانتعاش في الوقت الذي تستعد فيه الحكومة لإطلاق حملتها الانتخابية.
ويسعى رئيس الوزراء السويدي، أولف كريسترسون، إلى تشكيل حكومة أغلبية مع حزب ديمقراطيي السويد المناهض للهجرة إذا فاز في الانتخابات؛ لكن تحالف يسار الوسط المعارض يتصدر حالياً استطلاعات الرأي. وقد أعلنت الحكومة السويدية أنها ستخفض مؤقتاً الرسوم الجمركية على وقود السيارات للحد من تأثير الحرب الإيرانية في التضخم قبل أشهر من الانتخابات، وهي خطوة هاجمها المعارضون، مطالبين الحكومة بالتركيز على تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري بدلاً من خفض أسعاره مؤقتاً.
5- الدنمارك: أعلنت رئيسة الوزراء، ميتي فريدريكسن، في فبراير الماضي، عن تقديم الانتخابات إلى شهر مارس، قبل عدة أشهر من موعدها المقرر. ويبدو أنها كانت تأمل في أن تساعدها صورتها الحازمة في مواجهة مساعي الرئيس ترامب للسيطرة على جزيرة غرينلاند، وحشدها للحلفاء الأوروبيين خلف الدنمارك؛ في كسب تأييد الناخبين، لكن مع اشتعال الحرب الإيرانية وارتفاع تكلفة المعيشة تراجع دعمها الشعبي.
وكانت نتيجة الانتخابات، التي أُجريت في 24 مارس الماضي، لافتة. فعلى الرغم من فوز الحزب الاشتراكي الديمقراطي، بقيادة فريدريكسن، بأكبر عدد من المقاعد؛ فإن النسبة كانت 21,9% فقط من الأصوات، وهذه أسوأ نتيجة للحزب منذ عام 1903، كما تراجعت شعبية شريكيه في الائتلاف، حزب فينستر المنتمي ليمين الوسط وحزب المعتدلين، بشكل ملحوظ. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن فريدريكسن، التي تتولى السلطة منذ عام 2019، قد تفقد منصبها، في ظل تزايد هشاشة الائتلاف الحاكم الذي يضم أحزاباً من يسار الوسط إلى يمين الوسط.
6- لاتفيا: تترقب لاتفيا إجراء الانتخابات البرلمانية في أكتوبر المقبل، والتي ستحدد من سيخلف الائتلاف الحالي ليمين الوسط بقيادة رئيسة الوزراء، إيفيكا سيلينا. وتشير استطلاعات الرأي إلى مشهد تنافسي متقارب بين عدة أحزاب، مع تراجع نسبي لحزبها الوحدة الجديدة مقارنة ببعض المنافسين.
وقد ألقى ارتفاع الأسعار العالمية للطاقة عقب غلق مضيق هرمز، بظلاله على الوضع في لاتفيا؛ مما زاد من الضغط على موقف الحكومة ودفعها للموافقة على تخفيف الضرائب على الوقود من أجل التخفيف من آثار الأزمة.
انتخابات في مناطق أخرى:
امتدت تأثيرات الحرب في الشرق الأوسط إلى خارج الفضاء الغربي؛ لتشكل تداعياتها عوامل مؤثرة في حسابات الساسة خلال حملاتهم استعداداً لخوض المنافسات الانتخابية خلال العام الجاري، وإن تباينت الظروف والحسابات من بلد إلى آخر. ومن هذه الدول ما يلي:
1- البرازيل: أصبح الموقف من حرب إيران، فضلاً عن القضايا الداخلية في البرازيل، من ضمن محاور النقاشات حول الانتخابات الرئاسية المقررة في أكتوبر المقبل. ويسعى الرئيس الحالي، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، المرشح الأوفر حظاً في استطلاعات الرأي، إلى إعادة انتخابه، ويتبنى موقفاً مناهضا للحرب، بينما يتخذ منافسه السيناتور اليميني، فلافيو بولسونارو، موقفاً معاكساً.
2- أرمينيا: تترقب البلاد الانتخابات البرلمانية المقررة في يونيو 2026، حيث يسعى رئيس الوزراء، نيكول باشينيان، إلى الحفاظ على منصبه في ظل توجه متزايد نحو تنويع علاقات أرمينيا الخارجية وتقليص الاعتماد على روسيا. ويأتي ذلك في سياق نقاش داخلي مستمر حول جدوى التحالفات التقليدية، خاصة بعد التطورات الإقليمية الأخيرة، مع استمرار الانقسام بين الحكومة وقوى معارضة تميل إلى الحفاظ على علاقات أوثق مع موسكو.
3- نيوزيلندا: تُعد نيوزيلندا مثالاً آخر على التأثيرات غير المباشرة للتوترات الدولية في الاقتصادات البعيدة جغرافياً؛ حيث تواجه حكومة رئيس الوزراء، كريستوفر لوكسون، التي يقودها ائتلاف من يمين الوسط منذ 2023، تحديات اقتصادية تشمل تباطؤ النمو وارتفاع تكاليف المعيشة. ومع اقتراب الانتخابات العامة المتوقعة في 2026، تبرز هذه القضايا كعوامل رئيسية في تحديد فرص الحكومة، في حين قد تسهم تقلبات أسعار الطاقة العالمية الناتجة عن التوترات الجيوسياسية بالشرق الأوسط وخاصة غلق مضيق هرمز، في زيادة الضغوط الاقتصادية دون أن تكون العامل الحاسم في المشهد الانتخابي بنيوزيلندا.
إعادة ترتيب الأولويات:
يتضح أن تداعيات الحرب في الشرق الأوسط أسهمت في إعادة ترتيب أولويات الناخبين في العديد من الدول، مع تصدّر قضايا الأمن والطاقة وتكاليف المعيشة للنقاش العام؛ مما ينعكس بدرجات متفاوتة على فرص الحكومات في الاستحقاقات الانتخابية خلال الفترة الحالية.
كما أدى التداخل المتزايد بين اعتبارات الأمن القومي وضغوط الاقتصاد العالمي إلى إعادة تشكيل أولويات كل من الناخبين والنخب السياسية. ففي حين تستفيد بعض الحكومات من توظيف خطاب الأمن والاستقرار؛ تجد أخرى نفسها في مواجهة ضغوط متزايدة نتيجة التحديات الاقتصادية والانقسامات السياسية المرتبطة بهذه التطورات.
وفي هذا الإطار، يُرجح أن تمتد التداعيات السياسية لهذه الحرب على المدى المتوسط، ليس فقط عبر تأثيرها المحتمل في نتائج الانتخابات، بل أيضاً من خلال انعكاسها على أنماط التحالفات والاصطفافات الدولية، وإعادة تشكيل ديناميكيات التنافس الحزبي، إلى جانب توسيع دور العوامل الخارجية في التأثير في السياسات الداخلية؛ ما يعكس تزايد ترابط المستويين المحلي والدولي في السياق الراهن.
المراجع
_ اسلام المنسى، 14/4/2026، كيف تؤثر حرب إيران في خريطة الانتخابات المقبلة حول العالم؟، المستقبل للابحاث والدراسات المتقدمة.
_ فرانتزمان، 7/4/2026، حرب إيران تعيد تشكيل توازنات العالم من أوكرانيا إلى الخليج، الجزيرة.
