كيف تُدار البيئة الأمنية العابرة للحدود في مونديال 2026؟
فرع بنغازي

لم يعد تنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى مجرد استعراض للقوة التنظيمية أو فرصة للترويج السياحي، بل تحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الدول على إدارة بيئات أمنية فائقة التعقيد. ومع انطلاق كأس العالم 2026 في صيغته الموسعة، التي تستضيفها ثلاث دول هي الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بمشاركة 48 منتخبًا في 104 مباريات موزعة على 16 مدينة مضيفة، يجد العالم نفسه أمام حدث رياضي يتجاوز كونه مجرد بطولة كروية. فقد وصف جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، هذه البطولة بأنها "أعظم حدث شهدته البشرية على الإطلاق".

غير أن هذا الوصف لا يعكس فقط الأبعاد الرياضية للحدث، بل يشير أيضًا إلى التحديات الأمنية غير المسبوقة التي يفرضها. فكأس العالم 2026 لم يعد يُنظر إليه بوصفه مجرد حدث رياضي عالمي، بل يمكن اعتباره "نظام تشغيل مؤقتًا عابرًا للحدود"، تتفاعل داخله مجموعة واسعة من العوامل والمتغيرات ضمن بيئة شديدة التعقيد. وهنا يبرز السؤال المحوري: كيف تُدار هذه البيئة الأمنية العابرة للحدود؟ وما هي الآليات التي تُمكن الدول المضيفة والجهات الدولية من تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وروح الانفتاح التي تمثل جوهر الرياضة؟

تتناول هذه الورقة الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال تحليل السمات الاستثنائية لكأس العالم 2026، واستعراض طيف التهديدات المتداخلة التي تواجهها، ثم تفكيك آليات إدارة البيئة الأمنية العابرة للحدود، مع إبراز الدروس المستفادة من التجارب العربية الرائدة في هذا المجال.

أولًا: سمات استثنائية لكأس عالم غير مسبوق

 

يمثل كأس العالم 2026 نقلة نوعية في تاريخ البطولة من عدة وجوه، تجعل منه نسخة استثنائية بكل المقاييس:

1. الامتداد الجغرافي غير المسبوق

للمرة الأولى في تاريخ كأس العالم، تُقام البطولة في ثلاث دول متجاورة تمتد من كندا شمالًا إلى المكسيك جنوبًا، مرورًا بالولايات المتحدة. وتضم القائمة 16 مدينة مضيفة: 11في الولايات المتحدة (سياتل، سان فرانسيسكو، لوس أنجلوس، دالاس، هيوستن، كانساس سيتي، فيلادلفيا، أتلانتا، ميامي، بوسطن، نيويورك)، وثلاث في المكسيك (غوادالاخارا، مكسيكو سيتي، مونتيري)، ومدينتان في كندا (تورنتو وفانكوفر). هذا الامتداد الجغرافي الهائل - الذي يبلغ نحو 4300 كيلومتر من الشرق إلى الغرب و4000كيلومتر من الشمال إلى الجنوب- يحول البطولة إلى بيئة يصعب فيها الفصل بين المحلي والعالمي، ويجعل التهديدات ممتدة عبر قارة بأكملها.

2. التوسع في عدد المنتخبات والمباريات

شهدت البطولة توسعًا من 32 منتخبًا إلى 48 منتخبًا، أي مشاركة ما يقارب ربع دول العالم، مع زيادة عدد المباريات إلى 104 مباريات. هذا التوسع يخلق تحديات إضافية تتعلق باختلاف السياسات الأمنية، وقوانين الهجرة، والتنسيق الاستخباراتي، وإدارة الحدود.

3. التوترات السياسية بين الدول المضيفة

على الرغم من أن حدثًا بهذا الحجم كان من المفترض أن يكون تعزيزًا للشراكة بين دول أمريكا الشمالية الثلاث، فإن التوترات السياسية والتجارية لا تزال تلقي بظلالها على العلاقات بينها. فقد بلغت هذه التوترات ذروتها بعد فرض الإدارة الأمريكية رسومًا جمركية على البضائع الكندية والمكسيكية. وبدلاً من استغلال التعاون في تنظيم البطولة لتهدئة الأوضاع، صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن التوتر "يجعلها أكثر إثارة". وهذه الخلفية السياسية المتوترة تزيد من تعقيد إدارة التعاون الأمني بين الدول الثلاث.

4. التحديات البيئية والمناخية

تمتد المدن المضيفة على مساحات شاسعة ذات ظروف مناخية متباينة، ما يعرّض اللاعبين والمشجعين لتحديات بيئية قد تؤثر سلبًا في الصحة والأداء، بما في ذلك الحرارة الشديدة والارتفاع عن سطح البحر والمواد المسببة للحساسية الموسمية. وتشير التقديرات إلى أن 14 مدينة من بين 16 ستشهد حرارة شديدة خلال فترة البطولة. إضافة إلى ذلك، من المتوقع أن تكون هذه النسخة الأكثر تلويثًا للبيئة في تاريخ البطولة، مع تقديرات بإنتاج ما لا يقل عن 9ملايين طن متري من مكافئ ثاني أكسيد الكربون.

ثانيًا: طيف التهديدات المتداخلة

تواجه بطولة كأس العالم 2026 طيفًا واسعًا من التهديدات المتداخلة والمركبة، يمكن تفكيكها في ثلاث طبقات رئيسية:

1. المخاطر والتهديدات المحتملة

تتمثل الطبقة الأولى في التهديدات المباشرة التي يمكن أن تواجه البطولة، ومن أبرزها:

التهديدات الإرهابية والجريمة المنظمة: يُعتبر الخطر الأكبر الذي يهدد النسخة الحالية من كأس العالم هو قيام فرد أو مجموعة صغيرة باستهداف مناطق مكتظة حول الملاعب، مثل مناطق المشجعين، ومحطات النقل، ومناطق الفنادق والمطاعم، والصفوف أمام بوابات الملاعب. وقد أشارت التحليلات إلى أن التهديد الإرهابي منخفض التعقيد يشكل تحديًا خاصًا نظرًا لصعوبة التنبؤ به واستهدافه لمناطق يصعب تأمينها بالكامل.

التهديدات السيبرانية: تُعد الهجمات السيبرانية من أبرز التحديات التي تواجه البطولة. ففي 9 يونيو 2026، كشف تقرير صادر عن شركة "آركتيك وولف" عن رصد أكثر من 10 آلاف نطاق إلكتروني خبيث يحمل علامات وشعارات مرتبطة بكأس العالم منذ يناير من العام نفسه. كما حذر مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي من تنامي محاولات انتحال الهوية المرتبطة بموقع "فيفا" الإلكتروني بهدف جمع البيانات الشخصية أو تنفيذ عمليات احتيال مالي. وتمتد المخاطر لتشمل الاحتيال في بيع التذاكر، وانتحال الشخصيات والجهات الرسمية، وهجمات برامج الفدية التي قد تستهدف البنى التحتية الرقمية وشبكات الاتصالات.

الاحتجاجات والاضطرابات الاجتماعية: أصبحت البطولات الرياضية الكبرى أهدافًا للحركات الاحتجاجية لأهداف سياسية أو اجتماعية. وقد برز ذلك خلال كأس العالم 2026في مشادات بين مجموعات من المحتجين الإيرانيين المنقسمين بين معارضين للنظام ومؤيدين للمنتخب، وكذلك في احتجاجات عنيفة شهدتها مكسيكو سيتي مع انطلاق المباراة الأولى، أسفرت عن اشتباكات مع قوات الأمن وإغلاق مؤقت لمحطات المترو.

2. تحديات التنسيق والتشغيل العابر للحدود

تمثل الطبقة الثانية تحديًا بنيويًا يتمثل في الانتقال من نموذج "الدولة الواحدة" إلى "النظام الأمني الموزع" عبر ثلاث دول. فالتهديدات لا تعمل بصورة مستقلة، بل تتفاعل فيما بينها؛ فالمشكلة الأكبر ليست بالضرورة في احتمالية وجود تهديد واحد ضخم، وإنما احتمالية وجود عدد من التهديدات الصغيرة المترابطة. وهذا يعني أن إدارة الأمن لم تعد تقتصر على تأمين الملاعب ومناطق المشجعين، بل تشمل شبكة مترامية من التفاعلات بين الدول الثلاث.

وتشمل هذه الطبقة أيضًا التحديات التشغيلية اليومية، مثل الازدحام في شبكات النقل والمطارات، وأعطال أنظمة التذاكر، وتضارب البيانات بين المؤسسات المختلفة، والضغط البشري المتزايد على الأجهزة الأمنية والخدمية. وقد أدى توقف تمويل وزارة الأمن الداخلي الأمريكية لمدة 76 يومًا إلى تأخير تمويل المنح المقدمة للمدن المضيفة، وفقدت وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية ما يقارب ثلث موظفيها.

3. إشكاليات القرار السيادي

تتمثل الطبقة الثالثة في القرارات التي تتخذها الدول المضيفة - وفي مقدمتها الولايات المتحدة - والتي قد تؤثر سلبًا في المسار التنظيمي للبطولة. فالدول المضيفة لم تعد فقط "حاميًا للحدث"، بل أصبحت أيضًا "مصدرًا محتملاً لاضطرابه".

وتبرز هذه الإشكالية بوضوح في سياسات الهجرة التقييدية التي تبنتها الولايات المتحدة، والتي اعتبرتها منظمات حقوق الإنسان وجماعات مناصرة المهاجرين بأنها تقوض رسالة "فيفا" التقليدية بأن كرة القدم ملك للجميع. فقد رُفضت تأشيرات دخول العديد من مشجعي بعض المنتخبات المتأهلة من إفريقيا والشرق الأوسط، كما رُفضت تأشيرات دخول بعض أعضاء الجهاز الفني للمنتخب الإيراني، بل ونُقل المعسكر التدريبي للمنتخب الإيراني من الولايات المتحدة إلى المكسيك. ومُنع الحكم الصومالي عمر أرتان من الدخول إلى الولايات المتحدة.

وهذا يكشف عن فجوة جوهرية بين افتراضات المنظمات الدولية - التي تفترض أن اللاعبين والمسؤولين والصحفيين والشركاء التجاريين والمشجعين يمكنهم التنقل عبر الحدود بثقة نسبية - وبين واقع القيود السيادية التي تظل الدول هي المتحكم النهائي فيها.

ثالثًا: آليات إدارة البيئة الأمنية العابرة للحدود

في مواجهة هذه التحديات المركبة، طورت الأطراف المعنية منظومة متكاملة من الآليات التنظيمية والتشغيلية لإدارة البيئة الأمنية العابرة للحدود:

1. الهيكل التخطيطي الثلاثي

أنشأ "فيفا" هيكلاً تخطيطياً ثلاثياً متخصصاً، يستند إلى "مفهوم السلامة والأمن" الذي يحدد 18 مجالاً مشتركاً للتركيز، إلى جانب مجموعة من الأهداف الاستراتيجية التي التزمت جميع المدن المضيفة بتنفيذها. ويتم تفويض عملية صنع القرار إلى الملاعب، مع احتفاظ مركز عمليات "فيفا" بصلاحية البت في القضايا التي تتجاوز حدود المدن المضيفة.

2. مركز التعاون الشرطي الدولي

يُعد مركز التعاون الشرطي الدولي (IPCC) خارج واشنطن الركيزة الأساسية للتنسيق الأمني العابر للحدود. يعمل المركز على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع كبيئة تشغيلية آمنة تجمع ممثلين من جميع المدن المضيفة الست عشرة. ويقوم بتجميع المعلومات الاستخباراتية من ضباط نقاط المعلومات الوطنية لكرة القدم في الدول المشاركة، وتوجيهها عبر مراكز التنسيق، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، ووزارة الأمن الداخلي الأمريكية، وجهاز استخبارات الشرطة الملكية الكندية، ومركز الاستخبارات الوطني المكسيكي.

3. التنسيق الدبلوماسي والأمني

تلعب وزارة الخارجية الأمريكية، عبر جهاز الخدمة الدبلوماسية الأمنية (DSS)، دورًا محوريًا في ربط العمليات الأمنية الأمريكية بالشركاء الدوليين، والعمل بشكل وثيق مع السلطات المكسيكية والكندية لتعزيز التنسيق العابر للحدود وتبادل المعلومات. وتشمل مهام DSS إنشاء مركز تنسيق مشترك في المكسيك لتيسير التنسيق في الوقت الفعلي بين "فيفا" والجهات الحكومية الأمريكية والسلطات المكسيكية.

4. مكافحة الطائرات المسيّرة

تتولى فرق متخصصة تابعة لـ"فيفا" تنسيق قدرات مكافحة الطائرات المسيّرة في الدول المضيفة الثلاث، مستفيدة من الصلاحيات الجديدة التي مُنحت لأجهزة إنفاذ القانون بموجب قانون "السماء الآمنة" لعام 2025.

5. التعاون مع المنظمات الدولية

لا يقتصر التعاون الأمني على الدول المضيفة و"فيفا" فحسب، بل يمتد ليشمل منظمات دولية متخصصة. فقد دعمت منظمة الشرطة الجنائية الدولية "يوروبول" الجهود الأمنية المحيطة بكأس العالم 2026. كما دعمت منظمة الصحة للبلدان الأمريكية (PAHO) التنسيق الإقليمي للأمن الصحي، حيث اختبرت البطولة قدرات الدول بموجب اللوائح الصحية الدولية (2005)، مما استلزم تعاونًا وثيقًا للكشف عن المخاطر الصحية المحتملة والاستجابة لها وتقييمها.

رابعًا: دور الخبرة العربية في صناعة الأمن الرياضي العالمي

لا يمكن فهم إدارة الأمن في التظاهرات الرياضية الكبرى دون الإشارة إلى الدور المتصاعد الذي تلعبه الخبرات العربية، وخصوصًا التجربة المغربية والقطرية، في تشكيل المعايير العالمية لأمن الفعاليات الرياضية.

التجربة المغربية: نموذج يحتذى به

برز المغرب باعتباره شريكًا أمنيًا واستخباراتيًا موثوقًا في كأس العالم 2026، بعدما أعلنت الولايات المتحدة رسميًا الاستفادة من التجربة المغربية في تأمين التظاهرات الرياضية الكبرى. وقد تحولت التجربة المغربية في تأمين الأحداث الكبرى إلى نموذج يحظى بالاهتمام، بفضل الجمع بين الاستباق الاستخباراتي، والتنسيق الأمني، وتدبير الحشود، واستعمال التكنولوجيا، والقدرة على قراءة المخاطر قبل انتقالها إلى مستوى التهديد المباشر.

ويحضر المغرب داخل مركز التعاون الشرطي الدولي الخاص بالمونديال، وهو فضاء عملياتي يتيح تنسيق المعلومات بين الأجهزة المعنية بتأمين البطولة، وتتبع المخاطر المحتملة، والتعامل مع القضايا المرتبطة بالجماهير، والجريمة العابرة للحدود. وقد شكلت زيارة وفد من مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى المغرب للاطلاع على بروتوكولات المديرية العامة للأمن الوطني في تأمين كأس إفريقيا 2025مؤشرًا عمليًا على هذا التحول في التعاون من مستوى تبادل المعلومات إلى مستوى دراسة النماذج العملية القابلة للاستفادة في سياقات دولية كبرى.

وتكمن قوة النموذج المغربي في أنه لا يفصل بين الأبعاد الأمنية والتقنية والتنظيمية، بل يدمجها في منظومة متكاملة تشمل الانتشار الميداني، ومراقبة المنشآت الرياضية، واستعمال الطائرات المسيرة والكاميرات عالية الدقة، وربط مراكز القيادة الثابتة والمتحركة عبر آليات تنسيق رقمي.

التجربة القطرية: إرث مونديال 2022

شكلت تجربة قطر في استضافة كأس العالم 2022 مرجعية مهمة للدول المضيفة للبطولات الكبرى. فقد وضعت قطر استراتيجية أمنية شاملة لجميع جوانب البطولة، شملت برنامجًا لأمن وسلامة الجماهير تم من خلاله تدريب أفراد الأمن الحكوميين والتابعين للشركات الخاصة. وقد أثبتت هذه التجربة فعالية النموذج الأمني المتكامل في إدارة تظاهرة رياضية بهذا الحجم، وقدمت دروسًا قيمة في مجالات إدارة الحشود، والتنسيق بين الأجهزة الأمنية المختلفة، واستخدام التكنولوجيا في تعزيز الأمن.

كما ساهمت الخبرة القطرية في تعزيز مفهوم "الأمن الرياضي" كحقل معرفي مستقل، من خلال إنشاء المركز الدولي للأمن الرياضي في الدوحة عام 2010، والذي يهدف إلى تعزيز الأمن والسلامة في عالم الرياضة والمعالجة الفعالة للمشكلات الحقيقية في المجال الرياضي بشكل استباقي. وتشارك قطر أيضًا في تأمين مونديال 2026 عبر قوة أمنية دولية متعددة الجنسيات.

خامسًا: خلاصة واستنتاجات

يمثل كأس العالم لكرة القدم 2026 نسخة استثنائية، في ضوء السمات والمتغيرات غير المسبوقة التي تحيط به، والتي تضاعف أهمية الأبعاد السياسية والأمنية المرتبطة بهذا الحدث الرياضي العالمي. وقد أظهر التحليل أن إدارة البيئة الأمنية العابرة للحدود في هذه البطولة تتطلب الانتقال من منطق "إدارة المخاطر المنفصلة" إلى منطق "إدارة منظومة مترابطة من التفاعلات" بين الدول الثلاث.

ويمكن استخلاص عدد من الدروس والتوصيات الرئيسية:

أولاً: إن التحدي الأمني الأكبر لا يكمن في حجم التهديد بقدر ما يكمن في تعقيد البيئة التي تتفاعل فيها التهديدات. فالامتداد الجغرافي للبطولة، وتعدد الولايات القضائية، واختلاف الأنظمة القانونية والسياسات الأمنية بين الدول المضيفة، كلها عوامل تحول دون تبني مقاربة أمنية موحدة، وتفرض بدلاً من ذلك نظامًا أمنيًا موزعًا يعتمد على التنسيق المستمر وتبادل المعلومات في الوقت الفعلي.

ثانيًا: أثبتت التجارب العربية - المغربية والقطرية خصوصًا - أن الخبرة المتراكمة في تأمين التظاهرات الرياضية الكبرى تمثل قيمة مضافة يمكن للدول المضيفة للبطولات العالمية الاستفادة منها. وقد تجلى ذلك في مشاركة المغرب في مركز التعاون الشرطي الدولي، واستفادة الولايات المتحدة من النموذج المغربي في تأمين الأحداث الكبرى.

ثالثًا: لا تقتصر التحديات الأمنية على التهديدات التقليدية كالإرهاب والجريمة المنظمة، بل تمتد لتشمل تهديدات سيبرانية متطورة، واحتجاجات اجتماعية، وتحديات بيئية، وإشكاليات مرتبطة بسياسات الهجرة والتأشيرات. وهذا يعني أن إدارة الأمن في البطولات الكبرى أصبحت تتطلب مقاربة متعددة التخصصات تشمل الأمن السيبراني، وإدارة الأزمات، والاتصال الجماهيري، والتخطيط للطوارئ.

رابعًا: كما أشارت الورقة، لا تكمن الإشكالية الرئيسية في مدى استعداد الدول المضيفة أو المؤسسات الدولية المعنية، وإنما في طبيعة التعقيد ذاته الذي قد يفرز مواقف وسيناريوهات جديدة تتجاوز نطاق الخبرات السابقة والتقديرات التقليدية. وهذه المسألة تمتد إلى ما يمكن وصفه بـ"الأشياء التي لا نعرف أننا لا نعرفها" (Unknown Unknowns).

خامسًا: إن نجاح كأس العالم 2026 لن يتحدد فقط بقدرة الأجهزة الأمنية على منع وقوع الحوادث، بل بمدى فعالية آليات الاستجابة المعتمدة مسبقًا، وسرعة التصرف دون تأخير، وكفاءة شبكات الاتصال الجماهيري، إضافة إلى القدرة على التكيف المستمر مع المستجدات الميدانية.

في الختام، يقدم كأس العالم 2026 نموذجًا حيًا للتحديات والفرص التي تطرحها إدارة الأمن في عصر العولمة والتشابك العابر للحدود. وهو اختبار غير مسبوق لقدرة المؤسسات والمنظمات العاملة عبر بيئات جغرافية متعددة وظروف متغيرة على إدارة حدث عالمي بالغ التعقيد. ومع استمرار تطور التهديدات وتعقد البيئات الأمنية، تظل التجارب المتراكمة والدروس المستفادة من بطولات مثل هذه هي الركيزة الأساسية لتطوير نماذج أمنية أكثر فعالية واستدامة للمستقبل.




المراجع:

أحمد، محسن عبد الحميد. التعاون الأمني العربي والتحديات الأمنية. دار جامعة نايف للنشر، 1999.

عراش، عبد الجبار. "التظاهرات الرياضية الضخمة: دوافع التنظيم ومستلزمات التأمين". مركز الدراسات الاستراتيجية الأمنية، وزارة الداخلية القطرية

المقالات الأخيرة