تأتي زيارة الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى الولايات المتحدة في توقيت إقليمي بالغ الحساسية وسط تحولات متسارعة أعقبت الحرب الأخيرة مع إيران وإعادة تشكيل موازين القوى في المشرق العربي. ولم تعد الزيارة تقتصر على بحث ملفات الدعم العسكري أو المساعدات الاقتصادية، بل أصبحت محطة رئيسية ضمن رؤية أمريكية أوسع تستهدف تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية، وربط لبنان بمسارات تعاون إقليمي مع سوريا والعراق، بما يرسخ الاستقرار ويحد من النفوذ الإيراني وفي هذا السياق، تكتسب المباحثات بين بيروت وواشنطن أهمية استثنائية، لما تحمله من أبعاد سياسية وأمنية قد تنعكس على مستقبل لبنان ودوره في المعادلة الإقليمية.
المشروع الإقليمي الجديد
لم تعد زيارة الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى واشنطن تقتصر على بحث ملفات الدعم العسكري أو المساعدات الاقتصادية، بل جاءت في توقيت يعكس تحولات أوسع في الرؤية الأمريكية تجاه المشرق العربي. وتكشف المؤشرات أن إدارة دونالد ترامب تنظر إلى لبنان باعتباره جزءًا من مشروع إقليمي جديد يضم سوريا والعراق، يقوم على إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتعزيز التعاون في مجالات الأمن والطاقة والنقل والبنية التحتية، مع تقليص النفوذ الإيراني ومنع عودة الصراعات الإقليمية ويحمل عون إلى البيت الأبيض تصورًا يتجاوز العلاقات الثنائية، يقوم على تحويل لبنان إلى شريك في منظومة إقليمية أكثر استقرارًا، تستند إلى التعاون الاقتصادي والتنسيق الأمني، بدلًا من إدارة الأزمات بصورة منفصلة كما تسعى واشنطن إلى استثمار التغيرات التي شهدتها سوريا والانفتاح العراقي على محيطه العربي لإطلاق ترتيبات جديدة تعيد صياغة توازنات المنطقة، وهو ما يمنح الزيارة أهمية سياسية تتجاوز حدود الملف اللبناني، خاصة مع الدور الذي يؤديه المبعوث الأمريكي توم باراك في تنسيق المسارات اللبنانية والسورية والعراقية ضمن رؤية واحدة تهدف إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء شراكات إقليمية مستدامة.
الضغوط على إسرائيل
يضع الرئيس اللبناني ملف الانسحاب الإسرائيلي في مقدمة أولويات مباحثاته مع الإدارة الأمريكية، انطلاقًا من قناعة رسمية بأن نجاح أي ترتيبات أمنية داخلية يبقى مرتبطًا بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للمناطق اللبنانية وتؤكد بيروت أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي يعرقل استكمال تنفيذ اتفاق الإطار ويصعب التوصل إلى تفاهمات داخلية بشأن حصرية السلاح بيد الدولة. لذلك سيطالب عون واشنطن بالانتقال من دور الوسيط إلى دور الضاغط على حكومة بنيامين نتنياهو، لإطلاق المرحلة الثانية من الانسحابات ومنع تحويل الاتفاق إلى مسار تفاوضي مفتوح يسمح لإسرائيل بالإبقاء على قواتها بحجة المتطلبات الأمنية. كما ترى الدوائر اللبنانية أن أي تقدم سياسي لن يكون قابلًا للاستمرار ما لم يترجم ميدانيًا بانسحاب فعلي يعزز الثقة بين الأطراف اللبنانية، فيما تشير تقديرات دبلوماسية إلى أن الولايات المتحدة باتت تدرك أن استمرار الجمود قد يهدد بنسف التفاهمات التي أُنجزت، وهو ما يدفعها إلى البحث عن خطوات عملية تحفظ الاستقرار وتمنع العودة إلى التصعيد.
تعزيز دور الجيش
يشكل ملف المؤسسة العسكرية أحد المحاور الأساسية في الزيارة، حيث يحمل عون رؤية متكاملة لتعزيز قدرات الجيش اللبناني باعتباره الضامن الرئيسي لتنفيذ أي ترتيبات أمنية مستقبلية. وتستند الخطة إلى إنشاء ما يعرف بالمناطق التجريبية في جنوب لبنان، بحيث ينتشر الجيش فور تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي، في تجربة تهدف إلى ترسيخ سلطة الدولة على الأرض وتحويل الاتفاقات السياسية إلى واقع ميداني. وتشير المعطيات إلى أن القيادة العسكرية أنجزت خطط الانتشار، لكنها تنتظر تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي لبدء تطبيقها. كما تتضمن المباحثات طلب دعم أمريكي يشمل التجهيزات العسكرية، والتدريب، والمساعدات اللوجستية، وتحسين أوضاع العسكريين، بما يضمن استدامة دور المؤسسة العسكرية في حفظ الأمن وتؤكد واشنطن، وفق المؤشرات، استمرار دعمها للجيش اللبناني وقيادته الحالية، باعتباره المؤسسة الأكثر قدرة على الحفاظ على الاستقرار الداخلي، ومنع أي فراغ أمني قد تستفيد منه القوى المسلحة أو التنظيمات غير النظامية.
توازنات المرحلة المقبلة
تعكس زيارة جوزيف عون إلى الولايات المتحدة بداية مرحلة جديدة في التعاطي مع الملف اللبناني، ترتبط بإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية أكثر من ارتباطها بالمساعدات التقليدية فواشنطن تسعى إلى إدماج لبنان ضمن منظومة تعاون أوسع مع سوريا والعراق، بينما يطمح لبنان إلى استثمار هذا التحول للحصول على ضمانات سياسية وأمنية تعزز موقعه التفاوضي وتدعم مؤسساته الشرعية. كما ترتبط هذه الترتيبات بأدوار إقليمية متنامية لتركيا والدول العربية، بما يهدف إلى منع انفجار جبهة جديدة في المشرق، وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار السياسي والاقتصادي. وفي المقابل، يبقى نجاح هذا المشروع مرهونًا بقدرة الولايات المتحدة على إلزام إسرائيل بتنفيذ التزاماتها، واستمرار الدعم الدولي للجيش اللبناني، وتحقيق توافق داخلي يسمح بتعزيز سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية. وإذا نجحت هذه العناصر في التلاقي، فقد تتحول الزيارة إلى نقطة انطلاق لمرحلة جديدة تعيد رسم موقع لبنان داخل معادلات الإقليم، وتمنحه فرصة لاستعادة دوره بعيدًا عن الصراعات التي استنزفته خلال السنوات الماضية.
خاتماً: في المحصلة، تمثل زيارة جوزيف عون إلى واشنطن اختبارًا حقيقيًا لمستقبل العلاقات اللبنانية الأمريكية وللمشروع الإقليمي الذي تسعى الولايات المتحدة إلى بلورته في المشرق العربي. ويظل نجاح هذه الرؤية مرهونًا بقدرة واشنطن على دفع إسرائيل لتنفيذ التزاماتها ودعم مؤسسات الدولة اللبنانية، وفي مقدمتها الجيش، بما يعزز الاستقرار الداخلي ويهيئ الظروف لتسوية سياسية مستدامة وبينما يطمح لبنان إلى استثمار هذه التحولات لاستعادة دوره الإقليمي وتعزيز موقعه التفاوضي، فإن نتائج الزيارة ستحدد إلى حد كبير ملامح المرحلة المقبلة، وما إذا كانت ستفتح الباب أمام شراكات جديدة تعزز الأمن والتنمية، أم ستبقى رهينة تعقيدات الصراعات الإقليمية وتوازنات القوى الدولية.
المصدر : عربي بوست
التاريخ : 20/7/2026
----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
المصدر: مونت كارلو الدولية
الكاتب : هشام ملحم
التاريخ : 22/7/2026
